شعار المكتبة الرقمية للدعوة السلفية
دخول ♡ قبسات

التغطية الإعلامية المنحازة ضد السلفية في رمضان (الموقف من العنف - حجية حديث الآحاد)

الشيخ عبدالمنعم الشحات • قضايا معاصرة

وقد وَضَعَ العلماءُ تقسيمًا اصطلاحيًّا للحديث إلى: "متواتر، وآحاد"؛ ليُرَتِّبوا عليه: أن المتواتر أغنت كثرة رواته في كلِّ طبقةٍ مِن طبقاته عن الحاجة إلى تمحيص حالِ كلٍّ منهم على حِدَة، بخلاف الآحاد الذي يحتاج إلى تمحيص يحكم بناءً عليه إما بالقبول أو الرد، والمقبول يشمل: الصحيح والحسن، والمردود يشمل: الضعيف والموضوع، ولكن في النهاية: كان العلماء يقبلون كل ما نُقِل عن النبي -صلى الله عليه وسلم- بطريق تحصل معها الثِّقَة بصحة هذا النقل.

ولما أراد الزنادقة أن يستثمروا هذا التقسيم في ردِّ سُنة النبي -صلى الله عليه وسلم- تَصَدَّى لهم الإمام الشافعي -رحمه الله تعالى-؛ أي: أن أمر هذه البدعة وأصلها أسبق مِن: ابن عبد الوهاب، أو ابن تيمية أو حتى الإمام أحمد بن حنبل -رحمهم الله تعالى-، وكان الرد على هؤلاء على يدِّ الإمام الشافعي -رحمه الله-.

قال الإمام الشافعي -رحمه الله- في كتابه: "الرسالة": "باب تثبيت خبر الواحد: فإن قال قائل: اذكر الحجة في تثبيت خبر الواحد بنصِّ خبرٍ أو دلالةٍ فيه أو إجماعٍ. فقلت له: أخبرنا سفيان عن عبد الملك بن عمير عن عبد الرحمن بن عبد الله بن مسعود عن أبيه أن النبي -صلى الله عليه وسلم- قال: ( نَضَّرَ اللَّهُ عَبْدًا سَمِعَ مَقَالَتِي فَحَفِظَهَا وَوَعَاهَا وَأَدَّاهَا، فَرُبَّ حَامِلِ فِقْهٍ غَيْرِ فَقِيهٍ، وَرُبَّ حَامِلِ فِقْهٍ إِلَى مَنْ هُوَ أَفْقَهُ مِنْهُ. ثَلَاثٌ لَا يَغِلُّ عَلَيْهِنَّ قَلْبُ مُسْلِمٍ: إِخْلَاصُ الْعَمَلِ لِلَّهِ، وَالنَّصِيحَةُ لِلْمُسْلِمِينَ، وَلُزُومُ جَمَاعَتِهِمْ، فَإِنَّ دَعْوَتَهُمْ تُحِيطُ مِنْ ورائهم ) (رواه الترمذي، وصححه الألباني) .

فلما نَدَب رسول الله إلى استماع مقالته وحفظِها، وأدائها امْرَأً يؤديها، والامْرُؤُ واحدٌ؛ دَلَّ على أنه لا يأمر أن يُؤدَّى عنه إلا ما تقوم به الحجة على مَن أُدِّيَ إليه؛ لأنه إنما يُؤدَّى عنه حلال، وحرام يُجتَنَب، وحدٌّ يُقام، ومالٌ يؤخذ ويعطى، ونصيحة في دينٍ ودنيا. ودل على أنه قد حمل الفقهَ غيرُ فقيه، يكون له حافظًا، ولا يكون فيه فقيهًا.

وأمْرُ رسول الله بلزوم جماعة المسلمين مما يُحتج به في أن إجماع المسلمين -إن شاء الله- لازمٌ؛ أخبرنا سفيان، قال: أخبرني سالم أبو النضر أنه سمع عبيد الله بن أبي رافع يخبر عن أبيه قال: قال النبي: (لَا أُلْفِيَنَّ أَحَدَكُمْ مُتَّكِئًا عَلَى أَرِيكَتِهِ، يَأْتِيهِ الْأَمْرُ مِمَّا أَمَرْتُ بِهِ، أَوْ نَهَيْتُ عَنْهُ، فَيَقُولُ: لَا أَدْرِي، مَا وَجَدْنَا فِي كِتَابِ اللَّهِ اتَّبَعْنَاهُ ) (رواه أحمد وأبو داود والترمذي، وصححه الألباني) .

قال ابن عيينة: وأخبرني محمد بن المنكدر عن النبي بمثله مرسلًا.

وفي هذا تثبيتُ الخبر عن رسول الله وإعلامُهم أنه لازم لهم، وإن لم يجدوا له نصَّ حُكْمٍ في كتاب الله، وهو موضوع في غير هذا الموضع" (الرسالة للشافعي -تحقيق الشيخ أحمد شاكر- 1/ 405) .

ثم ساق -رحمه الله- أمثلة كثيرة جدًّا لعمل الأمة بخبر الواحد في زمنه -صلى الله عليه وسلم- وبعد وفاته، منها في زمانه عملهم بخبر الواحد في تغيير القبلة أثناء الصلاة في مسجد قُبَاءٍ، وفي الامتناع عن الخمر وسكبها في الطرقات، وفي رسله -صلى الله عليه وسلم- الذين أرسلهم يدعون الكفار أو يعلِّمون المسلمين.

والذي لا يعرفه العالمونيون: أن كلَّ مَن له اشتغال بالعِلْم في الأُمَّة الإسلامية؛ إما أن يكون سلفيًّا أو أشعريًّا أو ماتريديًّا، وأما المعتزلة فلا يكاد يوجد مِن العلماء مَن يقول بمذهبهم، ومما انفردوا: به رفض العمل بحديث الآحاد بالكلية، وهو ما يوافِق هوى العالمانيين، وإن كان العالمانيون يقعون في تناقضٍ فجٍّ حينما ينصرون التوجهات الاعتزالية، على الرغم مِن أن المعتزلة إنما رَدُّوا السُّنَّة لكي يتمكَّنوا مِن حمل القرآن على تكفير المسلمين وقتالهم، وهي القضايا التي يزعم العالمانيون أنها أكثر ما يزعجهم في الدِّين!

والشاهد: أن حتى علماء الأشاعرة يستقبحون جدًّا الدعوة إلى عدم العمل بحديث الآحاد في الأحكام، وقد رَدَّ "الغزالي" في "المستصفَى" على المعتزلة، وكذا جمع كبير مِن علماء الأصول الأشاعرة.

وقد بَيَّن "الغزالي": أن غلبةَ الظَّنِّ بصحة خبر الواحد ملحقة باليقين الذي في صحة المتواتر، شأنها في ذلك شأن أمور شرعية كثيرة بُنِيَت على الظنِّ الراجِح.

وذكر أن أن التفريق بينها غير ممكن، فقال -رحمه الله-: "فصل في التعبُّد بخبر الواحد، وما جاء فيه: ثُمَّ أُلْحِقَ الْمَظْنُونُ بِالْمَقْطُوعِ بِهِ فِي وُجُوبِ الْعَمَلِ، وَكَذَلِكَ فَتْوَى النَّبِيِّ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- وَحُكْمُهُ مَقْطُوعٌ بِهِ، وَفَتْوَى سَائِرِ الْأَئِمَّةِ وَحُكْمُ سَائِرِ الْقُضَاةِ، مَظْنُونٌ وَأُلْحِقَ بِالْمَعْلُومِ، وَالْكَعْبَةُ تُعْلَمُ قَطْعًا بِالْعِيَانِ وَتُظَنُّ بِالِاجْتِهَادِ، وَعِنْدَ الظَّنِّ يَجِبُ الْعَمَلُ كَمَا يَجِبُ عِنْدَ الْمُشَاهَدَةِ، فَكَذَلِكَ خَبَرُ الرَّسُولِ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- يَجِبُ الْعَمَلُ بِهِ عِنْدَ التَّوَاتُرِ، فَلِمَ يَسْتَحِيلُ أَنْ يُلْحَقَ الْمَظْنُونُ بِالْمَعْلُومِ فِي وُجُوبِ الْعَمَلِ خَاصَّةً، وَمَنْ أَرَادَ أَنْ يُفَرِّقَ بَيْنَ هَذِهِ الْخَمْسَةِ فِي مَفْسَدَةٍ أَوْ مَصْلَحَةٍ لَمْ يَتَمَكَّنْ مِنْهُ أَصْلًا" (المستصفى، ص 117) .

نعم تأثَّر الأشاعرةُ بالمعتزلة في هذه المسألة رغم هذه الردود القوية عليهم، فقالوا بعدم العمل بحيث الآحاد في العقيدة! وهذه قضية فارقة بين السلفية والأشعرية؛ إلا أنها لا تخص العالمانيين في شيء، فكل مشكلتهم في قضايا تشريعية، وهي محل اتفاق بين السلفيين والأشاعرة على حجية أحاديث الآحاد الصحيحة فيها، وأن الطعن في حجيتها هدم للدين كله؛ ولذلك التبس عليهم في كثيرٍ مِن الأحيان السلفية بالأشعرية، أو صرَّحوا بأنهم يريدون تخطي الفريقين معًا -"وهم تقريبًا كل علماء الأمة"- واتِّبَاع المعتزلة! كما جاء في مقال الدكتور "جابر عصفور" تعليقًا على خطاب شيخ الأزهر الذى دَافَع فيه عن حُجِّيَّة السُّنَّة.

الصفحة السابقة الصفحة التالية