الفساد (94) الصناعة ودورها في الاقتصاد المصري (6)
الشيخ علاء بكر • قضايا معاصرة
الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد؛
فتهتم كل دولة بالصناعات الثقيلة والإستراتيجية التي لا قوام لها بين دول العالم المتقدمة إلا بها، ولكونها أيضًا تمثِّل العمود الفقري للصناعة والاقتصاد في الدول الحديثة.
وفي مصر يمثِّل مجمع الحديد والصلب المقام في حلوان مِن أواخر الخمسينيات، (الكيان الوحيد الذي تمتلكه الدولة القائم على تحويل المواد الخام للحديد المستخرج من مناجم أسوان والواحات البحرية إلى مجموعة عديدة من السلع الوسيطة اللازمة لتغطية عديد من القطاعات الصناعية، وليس قطاع التشييد والبناء فقط.
ومن هنا فإن قرار تصفية كيان اقتصادي بهذا الحجم يجب أن يكون على خطة إستراتيجية للدولة خاصة بقطاع التعدين عامة وصناعة الحديد والصلب خاصة) (راجع مقال: تصفية الحديد والصلب جريمة اقتصادية مكتملة الأركان وإهدار للمال العام"، جريدة الأهالي - 24 فبراير 2021 م، ص 5) .
(تاريخيًّا: مجمع الحديد والصلب كان حلمًا قوميًّا منذ عام 1932 بعد توليد الكهرباء من خزان أسوان، وظلت محاولات ذلك الحلم تتعثر حتى تحول إلى واقع عام 1954 بإصدار قرار بإنشاء أول مجمع للحديد والصلب في العالم العربي بمنطقة التبين بحلوان برأس مال 21 مليون جنيه، وباكتتاب شعبي بقيمة جنيهين، وتم وضع حجر الأساس على مساحة تزيد على 2500 فدان شاملة المصانع، ومدينة سكنية للعمال والمهندسين، وبتكنولوجيا وخبرات ألمانية ثم روسية).
حيث بدأ العمل بتكنولوجيا ألمانية تعود إلى بدايات القرن العشرين ثم تطورت في الستينيات والسبعينيات بتكنولوجيا روسية تعود إلى حقبة الخمسينيات، (وبرغم الظروف القاسية التي كانت تمر بها مصر أثناء العدوان الثلاثي؛ إلا أن جهود الدولة تضافرت لإنجاز المشروع، وتم تشغيل ميناء الدخيلة لتوريد الفحم اللازم لتشغيل الأفران، وكذلك مد خطوط السكك الحديدية لتوصيل خام الحديد من أسوان والواحات البحرية إلى حلوان.
وفي عام 1957 بدأت الأفران في العمل، وتم افتتاح المشروع عام 1958 ليصل حجم الإنتاج إلى 5 و1 مليون طن من الصلب بأنواعه (صلب مشكل - قضبان سكك حديدية - كمرات حديدية - بلنجات السكك الحديدية - الستائر الحديدية)، وكمدخلات إنتاج لازمة لقطاعات عديدة، وليس فقط قطاع البناء والتشييد، ولكن قطاعات النقل والتعدين والسماد الفوسفوري من حيث الأفران والأسمنت من غاز الأفران، وكذلك توليد الكهرباء لتشغيل بعض آلات المصنع ذاته).
وقد (ظلت مساهمات مجمع الحديد والصلب في الاقتصاد القومي مرتفعة الأداء حتى نهاية فترة التسعينيات، والتي بدأ بعضها في ضعف تدريجي في معدلات الأداء، وتدني تدريجي في اقتصاديات الإنتاج والأرباح، وتزايد الخسائر حتى وصلت 9 مليارات جنيه عام 2020 لتفوق قيمة رأس مال الشركة للقيمة السوقية مع ارتفاع الديون، وانخفاض التنافسية الناتج عن ارتفاع تكلفة الإنتاج بالنسبة لسعر السوق، وبالتالي: انخفاض الحصة السوقية للإنتاج المحلي الذي وصل إلى أقل من1% من السوق المحلي بما يعادل 112 ألف طن.
وقد كان السبب الرئيسي الأول لهذا هو عدم كفاءة ونزاهة الجهاز الإداري، وتعدد الإدارات المتعاقبة لإدارة ذلك الكيان حتى إنه تعاقبت عليه أربع رؤساء مختلفين. والسبب الثاني لانخفاض الحصة السوقية للإنتاج المحلي هو انخفاض ضريبة الواردات على السلع التنافسية المستوردة والاتجاه إلى الاستيراد لانخفاض أسعاره النسبية.
أما السبب الثالث فهو الأزمة العالمية الأخيرة، والركود الاقتصادي عقب جائحة كورونا، والتي أثرت بشكل عام على جميع شركات الحديد والصلب بما فيها شركات القطاع الخاص) (المصدر السابق بتصرف) .
الحالة المتدنية لمجمع الحديد والصلب:
(أدَّت الحالة الفنية المتدنية للمعدات إلى انخفاض كميات الإنتاج حيث تم إنتاج 133 ألف طن خلال العام المالي 2017/2018م بنسبة 11 % من الطاقة التصميمية)، وتبلغ الطاقة التصميمية للمصنع 2و1 مليون طن، و(وصلت إلى 10 % في30 يونيو 2020. وأدَّى ذلك إلى ارتفاع تكلفة الإنتاج بالمقارنة بسعر البيع.
وعلى سبيل المثال: بلغت تكلفة إنتاج الطن في القطاعات الثقيلة 8 و34 ألف جنيه، وبلغ متوسط سعر البيع 9 آلاف جنيه، وبلغ متوسط تكلفة الطن من الصاج البارد 7 و34 ألف جنيه في حين بلغ متوسط سعر البيع 11 ألف جنيه، وذلك الفارق بين تكلفة الإنتاج وسعر البيع ينطبق على جميع منتجات الشركة).
في عام 2014 قامت شركة (تاتا ستيل) الاستشارية البريطانية بإجراء دراسة لها (وفي تحليلها أشارت إلى أن أهم عناصر القوة هو استحواذها على مناجم الخامات الخاصة بها، خامات الحديد والحجر الجيري، بينما الوزير الحالي يعمل لفصل المناجم عن شركة الحديد والصلب المصرية، وتكوين شركة للمناجم مع شريك أجنبي) (راجع ملف: أسرار إجبار الحكومة على تصفية شركة الحديد والصلب وتشريد آلاف العمال، النبأ - عدد السبت 23 يناير 2012م، ص 2) .
(في بداية عام 2018 م تم الاستعانة بشركة (تاتا ستيل) مرة أخرى لتحديث الدراسة التي أعدتها في 2014 لمرور 4 سنوات من تاريخ إعداد التقرير الأول، وتم تلقي التقرير المبدئي في يوليو 2018 والذي أشار إلى حدوث أضرار كبيرة في الأفران نتيجة سوء التشغيل خلال الـ4 سنوات، وعدم قدرة الاستشاري على تحديد حجم الضرر، وبالتالي سبل الإصلاح.
كما أشار إلى مدى واسع للاستثمارات المطلوبة، وطلب الاستشاري تشغيل الأفران بالطاقة القصوى لمدة 3 أشهر متصلة مع رصد النتائج يوميًّا، وهو ما لم تتمكن من عمله الشركة إذ بلغ مدى التشغيل المستمر 12 يومًا فقط.
في الربع الأول من عام 2019 تم دعوة بعض الشركات العالمية المتخصصة لتطوير وإدارة الشركة لمدة 20 عاما بتمويل لا يقل عن 100 مليون دولار، مع تقديم الحوافز لها وتقليص العمال إلى 4 آلاف وسداد مديونيات الشركة البالغة حوالي 5و6 مليار جنيه، وتم سحب كراسة الشروط من 5 شركات وتقدم عرض وحيد على أساس مقاولة (إي بي سي)، وليس شراكة كما كان مطلوبًا.