شعار المكتبة الرقمية للدعوة السلفية
دخول ♡ قبسات

اليهود في القرآن العظيم

الشيخ ياسر برهامي • من نور الوحيين

الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد؛

أستأذن قراءنا الكرام أن يكون مقالنا اليوم خارج سلسلة: "الدين الإبراهيمي بين الحقيقة والضلال" -وإن كان مرتبطًا بها في الحقيقة-؛ لبيان حقيقة الصراع الجاري على أرض فلسطين المحتلة مِن خلال القرآن العظيم.

إن إدراك حقيقة الصراع بيننا وبين اليهود ضرورة حتمية؛ لتحقيق يقظة الأمة، ووعي أجيالها حول حقيقة عدوها كما بيَّنها القرآن وبيَّنها الرسول -صلى الله عليه وسلم-؛ حتى لا يخدعنا أحدٌ ويوهمنا: أن المشكلة في مساحةٍ مِن الأرض اغتصبها اليهود يمكن أن ينسحبوا من جزءٍ منها ويتركوها لأهل فلسطين، والحقيقة التي لا شك فيها: أن الأصل في هذا الصراع أنه صراع ديني عقدي؛ فعلى ضلالات اليهود العقدية قامت دولتهم اللقيطة.

وقد رَسَّخَت نصوصنا الشرعية -كتابًا وسنةً- الموقف الذي يجب على المسلمين اتخاذه بناءً على عقيدتهم وأعمالهم وأخلاقهم، وليس على نسبهم أو قومياتهم، بل إذا غيروا عقيدتهم غيَّرنا موقفنا، ( فَإِن تَابُوا وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ فَإِخْوَانُكُمْ فِي الدِّينِ ) (التوبة:11) ، وكم من اليهود وغيرهم حين أسلموا نالوا المنازل العالية لدى أهل الإسلام: كعبد الله بن سلام -رضي الله عنه-، حبر اليهود وأعلمهم، وهو أحد المبشرين بالجنة الذين شهدوا للرسول -صلى الله عليه وسلم- بأنه النبي المذكور في التوراة، وكمحمدٍ بن كعب القرظي، وكعب الأحبار، وغيرهم.

وقد بيَّن القرآن في آياتٍ كثيرةٍ حقيقةَ اليهود وسبب النزاع معهم، فمِن ذلك: قوله -سبحانه وتعالى- في فاتحة الكتاب: ( اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ . صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلَا الضَّالِّينَ ) (الفاتحة:6-7) .

قال ابن كثير -رحمه الله-: "إن طريقة أهل الإيمان مشتملة على العلم بالحق والعمل به، واليهود فقدوا العمل، والنصارى فقدوا العلم؛ ولهذا كان الغضب لليهود، والضلال للنصارى؛ لأن مَن عَلِم وترك استحق الغضب بخلاف مَن لم يعلم، والنصارى لما كانوا قاصدين شيئًا، لكنهم لا يهتدون إلى طريقه؛ لأنهم لم يأتوا الأمر من بابه -وهو اتباع الرسول الحق- ضلُّوا، وكلٌّ مِن اليهود والنصارى ضال مغضوب عليه، لكن أخص أوصاف اليهود: "الغضب" كما قال فيهم: ( مَن لَّعَنَهُ اللَّهُ وَغَضِبَ عَلَيْهِ ) (المائدة:60) ، وأخص أوصاف النصارى: "الضلال" كما قال: ( قَدْ ضَلُّوا مِن قَبْلُ وَأَضَلُّوا كَثِيرًا وَضَلُّوا عَن سَوَاءِ السَّبِيلِ ) (المائدة:77) ، وبهذا جاءت الأحاديث والآثار.

روى الإمام أحمد عن عدي بن حاتم -رضي الله عنه- قال: "جاءتْ خيلُ رسولِ اللهِ -صلّى اللهُ عليه وسلَّم- وأخَذوا عمَّتي وناسًا، فلمّا أتَوْا بهم النَّبيَّ -صلّى اللهُ عليه وسلَّم- فصُفُّوا له، قالت: يا رسولَ اللهِ نأى الوافدُ وانقطَع الولَدُ، وأنا عجوزٌ كبيرةٌ ما بي مِن خِدمةٍ، فمُنَّ علَيَّ مَنَّ اللهُ عليكَ، قال -صلّى اللهُ عليه وسلَّم-: ( وَمَن وافِدُكِ؟ ) قالت: عَديُّ بنُ حاتمٍ، قال: ( الَّذي فرَّ مِن اللهِ ورسولِه؟ ) قالت: فَمَنَّ علَيَّ، قالت: فلما رجَع ورجلٌ إلى جَنبِه تَرى أنَّه علِيٌّ، قال: سَلِيه حُمْلانًا قالت: فسأَلْتُه فأمَر لها.

قال: فأتَتْني فقالت: لقد فعَلَ فِعلةً ما كان أبوكَ يفعَلُها، فإنَّه قد أتاه فلانٌ فأصاب منه، وأتاه فلانٌ فأصاب منه؛ فأتَيْتُه فإذا عندَه امرأةٌ وصَبيّانِ -أو صبيٌّ- ذكَرَ قُرْبَهم مِن النَّبيِّ -صلّى اللهُ عليه وسلَّم- فعلِمْتُ أنَّه ليس بمُلْكِ كِسرى ولا قيصَرَ، فقال لي: ( يا عديُّ بنَ حاتمٍ: ما أفَرَّكَ (أي: جعلك تفر) أنْ تقولَ: لا إلهَ إلّا اللهُ؟ فهل مِن إلهٍ إلّا اللهُ؟! ما أفَرَّكَ مِن أنْ تقولَ: اللهُ أكبَرُ؟ فهل مِن شيءٍ أكبَرُ مِن اللهِ؟! )، قال: فأسلَمْتُ ورأَيْتُ وجهَ رسولِ اللهِ -صلّى اللهُ عليه وسلَّم- قدِ استبشَر، وقال: (إنَّ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ اليهودُ، والضّالِّينَ النَّصَارَى) (رواه الترمذي وقال: "حسن غريب"، وصححه الألباني) .

وروى حماد بن سلمة، عن سماك، عن مُري بن قَطَري، عن عدي بن حاتم، قال: سألت رسول الله -صلى الله عليه وسلم- عن قول الله: ( غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ ) قال: هم اليهود، ( وَلَا الضَّالِّينَ ) قال: النصارى هم الضالون. قال: وقد روي حديث عدي هذا من طرق، وله ألفاظ كثيرة يطول ذكرها.

وروى عبد الرزاق عن عبد الله بن شقيق، أنه أخبره مَن سمع النبي -صلى الله عليه وسلم- وهو بِوادِي القُرى، على فَرَسِه، وسأَلَه رجلٌ مِن بني القَيْنِ، فقال: يا رسولَ اللهِ، مَن هؤلاءِ؟ قال: ( هَؤُلاءِ المَغْضُوبُ عَلَيْهِمْ -وأشار إلى اليهودِ-)، فقال: مَن هَؤُلاءِ؟ ( هَؤُلاءِ الضّالُّونَ ) يعني النَّصارى. (رواه أحمد، وصححه الألباني) .

وقد روى ابن مردويه، عن أبي ذر قال: سألتُ رسول الله -صلى الله عليه وسلم- عن المغضوب عليهم؟ قال: ( اليَهُود )، قلتُ: الضالين، قال: ( النَّصَارَى ).

وقال السدي، عن أبي مالك، وعن أبي صالح، عن ابن عباس، وعن مرة الهمداني، عن ابن مسعود، وعن ناسٍ مِن أصحاب النبي -صلى الله عليه وسلم-: ( غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ ) هم اليهود، ( وَلَا الضَّالِّينَ ) هم النصارى.

وقال الضحاك، وابن جريج، عن ابن عباس: ( غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ ): اليهود، ( وَلَا الضَّالِّينَ ) هم النصارى. وكذلك قال الربيع بن أنس، وعبد الرحمن بن زيد بن أسلم، وغير واحد. وقال ابن أبي حاتم: ولا أعلم بين المفسرين في هذا اختلافًا" (انتهى مِن تفسير ابن كثير) .

ومِن ذلك قوله -سبحانه وتعالى- في بيان فساد اعتقادهم في الأسماء والصفات: ( لَّقَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ فَقِيرٌ وَنَحْنُ أَغْنِيَاءُ ? سَنَكْتُبُ مَا قَالُوا وَقَتْلَهُمُ الْأَنبِيَاءَ بِغَيْرِ حَقٍّ وَنَقُولُ ذُوقُوا عَذَابَ الْحَرِيقِ ) (آل عمران:181) ، وبيَّن الله -سبحانه وتعالى- أنهم يصفون الله -سبحانه وتعالى- بالفقر فكفروا بذلك كما كفروا مِن قتلهم الأنبياء.

الصفحة التالية