"القدس" إسلامية مِن البداية للنهاية (1)
زين العابدين كامل • السيرة والتاريخ
الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد؛
فلا شك أن قضية القدس والأقصى هي قضية محورية وعقدية، وينبغي على المسلمين أن يقوموا بدراسة تاريخ مدينة القدس والمسجد الأقصى، وأن يعملوا على إحياء القضية ودعمها بالوسائل المختلفة.
ويُطلق على مدينة القدس: "مدينة السلام"، ومدينة البركة ومدينة الطهر، وبيت المقدس، وهي المدينة المحتلة الآن من قِبَل اليهود.
وننبه أولًا على أنه يطلق على المسجد الأقصى: "بيت المقدس أيضًا"؛ لأن النبي -صلى الله عليه وسلم- لما وصف المسجد الأقصى وصفه ببيت المقدس، وقد روي أن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- قال: "لا تزال طائفة من أمتي على الدين ظاهرين، لعدوهم قاهرين، لا يضرهم من خالفهم إلا ما أصابهم من لأواء، حتى يأتيهم أمر الله وهم كذلك"، قالوا: يا رسول الله وأين هم؟ قال: "ببيت المقدس وأكناف بيت المقدس" (أخرجه أحمد والطبراني، وقال الهيثمي في المجمع: "ورجاله ثقات") .
وتشير المصادر التاريخية إلى أن أول مَن نشأ في المدينة المقدسة المطهرة، وعمّرها وأنشأها هم: "العرب اليبوسيون"، والعرب اليبوسيون هم: بطن مِن بطون العرب الكنعانيين، وقد هاجرت هذه القبائل الكنعانية قبل الميلاد بثلاثة آلاف عامٍ تقريبًا مِن شبه الجزيرة العربية الى أرض فلسطين، حيث استوطنوا وأقاموا في بيت المقدس، وهم أول من دخل المدينة وأقامها وأنشأها وعمرها؛ لذا كان يطلق على أرض فلسطين في وقت من الأوقات: (أرض كنعان) نسبة إلى العرب الكنعانيين، وكان يطلق على بيت المقدس في وقت من الأوقات مدينة (يبوس) نسبة الى اليبوسيين، وكان يطلق عليها أيضًا: (سالم) نسبةً الى سالم أول حاكم حكم مدينة القدس المباركة، وقد استمر العرب اليبوسيون في مدينة القدس الى أن هاجر اليها أبو الأنبياء إبراهيم -عليه الصلاة والسلام-، وكان ذلك عام (1800) ق.م تقريبًا، أو في عصر الهكسوس، على حسب ما يُذكر في بعض المصادر التاريخية، ويُذكر في بعض نصوص التوراة: أن علاقة طيبة قامت بين إبراهيم عليه السلام وبين ملكي صادق، وهو كاهن أو ملك كان بالأرض المقدسة، والله أعلى وأعلم بصحة هذه المعلومات.
وقد أثبتت نصوص القرآن والسنة دخول إبراهيم -عليه السلام- أرض الشام؛ فلقد نشأ إبراهيم -عليه السلام- بأرض بابل بالعراق، ثم بعد مناظرته مع النُّمْرُودِ ونجاته من النار هاجر إلى بلاد الشام، كما قال -تعالى-: ( قَالُوا حَرِّقُوهُ وَانْصُرُوا آلِهَتَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ فَاعِلِينَ . قُلْنَا يَانَارُ كُونِي بَرْدًا وَسَلَامًا عَلَى إِبْرَاهِيمَ . وَأَرَادُوا بِهِ كَيْدًا فَجَعَلْنَاهُمُ الْأَخْسَرِينَ . وَنَجَّيْنَاهُ وَلُوطًا إِلَى الْأَرْضِ الَّتِي بَارَكْنَا فِيهَا لِلْعَالَمِينَ ) (الأنبياء:68-71) .
ثم هاجر بعد ذلك إبراهيم ومعه زوجته سارة إلى مصر، وقد نجَّى الله -تعالى- سارة من الملك الظالم الذي كان إذا سمع عن امرأة جميلة أرادها لنفسه، وقد أهدى الملك لسارة هاجر، وهنا هاجر إبراهيم -عليه السلام- من مصر إلى أرض فلسطين، وبصحبته سارة وهاجر، ثم عرضت سارة على إبراهيم -عليه السلام- أن يتسرى بهاجر حيث إنها كانت تعلم رغبة إبراهيم -عليه السلام- في الولد، وقد رزق الله -تعالى- إبر اهيم بإسماعيل -عليهما السلام-، وهنا دبَّت الغيرة في قلب السيدة سارة، فجاء الأمر من الله -تعالى- بأن يهاجر إبراهيم إلى مكة المكرمة، كما هو معروف ومشهور.
مَن أول مَن قام ببناء المسجد الأقصى؟
قال -تعالى- :( سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ لَيْلًا مِنَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ إِلَى الْمَسْجِدِ الْأَقْصَى الَّذِي بَارَكْنَا حَوْلَهُ لِنُرِيَهُ مِنْ آيَاتِنَا إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ ) (الإسراء:1) .
عن أبي ذر -رضي الله عنه- قال: قلتُ: قُلْتُ يَا رَسُولَ اللَّهِ، أَيُّ مَسْجِدٍ وُضِعَ فِي الأَرْضِ أَوَّلَ؟ قَالَ: ( المَسْجِدُ الحَرَامُ ) قَالَ: قُلْتُ: ثُمَّ أَيٌّ؟ قَالَ: ( المَسْجِدُ الأَقْصَى )، قُلْتُ: كَمْ كَانَ بَيْنَهُمَا؟ قَالَ: ( أَرْبَعُونَ سَنَةً، ثُمَّ أَيْنَمَا أَدْرَكَتْكَ الصَّلاَةُ بَعْدُ فَصَلِّهْ، فَإِنَّ الفَضْلَ فِيهِ ) (متفق عليه) .
وليس هناك نص ثابت في أول مَن بنى المسجد الأقصى، ولكن لا خلاف أن بيت المقدس أقدم بقعة على الأرض عرفت عقيدة التوحيد بعد المسجد الحرام في مكة المكرمة، وأن الفرق بين مدة وضعهما في الأرض هو أربعون سنة.
قال القرطبي -رحمه الله-: "واختلف في أول مَن أسس بيت المقدس، فروي أن أول من بنى البيت يعني البيت الحرام آدم -عليه السلام-، فيجوز أن يكون ولده وضع بيت المقدس من بعده بأربعين عامًا، ويجوز أن تكون الملائكة أيضًا بنته بعد بنائها البيت بإذن الله، وكل محتمل والله أعلم" (الجامع لأحكام القرآن) .
وأورد ابن حجر في الفتح (كتاب أحاديث الأنبياء): "إن أول مَن أسس المسجد الأقصى: آدم -عليه السلام-. وقيل: الملائكة. وقيل: سام بن نوح عليه -السلام-. وقيل: يعقوب -عليه السلام-".
وذكر السيوطي في شرحه لسنن النسائي: "أن آدم نفسه هو الذي وضع المسجد الأقصى، وأن بناء إبراهيم وسليمان تجديد لما كان أسسه غيرهما وبدأه".
وذكر ابن كثير: "أنه في عهد يعقوب بن إسحاق -عليهما السلام- أعيد بناء المسجد الأقصى بعد أن هرم بناء إبراهيم -عليه السلام-" (البداية والنهاية) .
وذكر شهاب الدين المقدسي في (مثير الغرام): "وكان هذا البناء تجديدًا".