"القدس" إسلامية مِن البداية للنهاية (1)
زين العابدين كامل • السيرة والتاريخ
والثابت بالأدلة الشرعية المعتمدة لدينا -نحن المسلمين-: أن سليمان -عليه السلام- بنى المسجد الأقصى، وأن بناء سليمان -عليه السلام- بناء التجديد والتوسعة والإعداد للعبادة لا بناء التأسيس، روى النسائي وابن ماجه وغيرهما من حديث عبد الله بن عمرو بن العاص عن النبي -صلى الله عليه وسلم- قال: ( لَمَّا فَرَغَ سُلَيْمَانُ بْنُ دَاوُدَ مِنْ بِنَاءِ بَيْتِ الْمَقْدِسِ، سَأَلَ اللَّهَ ثَلَاثًا: حُكْمًا يُصَادِفُ حُكْمَهُ، وَمُلْكًا لَا يَنْبَغِي لَأَحَدٍ مِنْ بَعْدِهِ، وَأَلَّا يَأْتِيَ هَذَا الْمَسْجِدَ أَحَدٌ لَا يُرِيدُ إِلَّا الصَّلَاةَ فِيهِ، إِلَّا خَرَجَ مِنْ ذُنُوبِهِ كَيَوْمِ وَلَدَتْهُ أُمُّهُ )، فَقَالَ النَّبِيُّ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-: ( أَمَّا اثْنَتَانِ فَقَدْ أُعْطِيَهُمَا، وَأَرْجُو أَنْ يَكُونَ قَدْ أُعْطِيَ الثَّالِثَةَ ) (رواه أحمد والنسائي، وصححه الألباني) .
وقال القرطبي -رحمه الله-: "إن الآية -أي قوله تعالى: ( وَإِذْ يَرْفَعُ إِبْرَاهِيمُ الْقَوَاعِدَ مِنَ الْبَيْتِ ) (البقرة:127) - والحديث الذي رواه النسائي لا يدلان على أن إبراهيم وسليمان -عليهما السلام- ابتدأ وضعهما، بل كان تجديدًا لما أسس غيرهما" (الجامع لأحكام القرآن) . (راجع في ذلك: البداية والنهاية لابن كثير، وكتاب: المسجد الأقصى الحقيقة والتاريخ لعيسى القدومي، وتذكير النفس بحديث القدس لسيد حسين العفاني) .
والغرض المقصود: أن المسجد الأقصى مَرَّ بمرحلة تأسيس ثم تجديد، وقد ساهم الأنبياء -عليهم السلام- في بنائه وتجديده، وميراث إبراهيم والأنبياء هو ميراث دين وملة وعقيدة.
ومن هنا نقول: إن القدس والمسجد الأقصى ميراث إسلامي، قال -تعالى-: ( وَلَقَدْ كَتَبْنَا فِي الزَّبُورِ مِنْ بَعْدِ الذِّكْرِ أَنَّ الْأَرْضَ يَرِثُهَا عِبَادِيَ الصَّالِحُونَ ) (الأنبياء:105) .
القدس في زمن موسى ويوشع -عليهما السلام-:
لما نجَّى الله -تبارك وتعالى- موسى -عليه السلام- ومَن معه مِن بني إسرائيل من فرعون، أمر الله موسى -عليه السلام- ومَن معه أن يدخلوا الأرض المقدسة، وقد كان العرب الكنعانيون يعبدون الأوثان من دون الله -عز وجل-، وكانوا يسكنون الأرض المقدسة، وهنا اعترض بنو إسرائيل، ورفضوا أن يدخلوا الأرض المقدسة مع موسى -عليه السلام-، قال الله -تبارك وتعالى- حاكيًا عن حال موسى مع قومه في سورة المائدة: ( يَا قَوْمِ ادْخُلُوا الْأَرْضَ الْمُقَدَّسَةَ الَّتِي كَتَبَ اللَّهُ لَكُمْ وَلَا تَرْتَدُّوا عَلَى أَدْبَارِكُمْ فَتَنْقَلِبُوا خَاسِرِينَ . قَالُوا يَامُوسَى إِنَّ فِيهَا قَوْمًا جَبَّارِينَ وَإِنَّا لَنْ نَدْخُلَهَا حَتَّى يَخْرُجُوا مِنْهَا فَإِنْ يَخْرُجُوا مِنْهَا فَإِنَّا دَاخِلُونَ . قَالَ رَجُلَانِ مِنَ الَّذِينَ يَخَافُونَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمَا ادْخُلُوا عَلَيْهِمُ الْبَابَ فَإِذَا دَخَلْتُمُوهُ فَإِنَّكُمْ غَالِبُونَ وَعَلَى اللَّهِ فَتَوَكَّلُوا إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ . قَالُوا يَامُوسَى إِنَّا لَنْ نَدْخُلَهَا أَبَدًا مَا دَامُوا فِيهَا فَاذْهَبْ أَنْتَ وَرَبُّكَ فَقَاتِلَا إِنَّا هَاهُنَا قَاعِدُونَ . قَالَ رَبِّ إِنِّي لَا أَمْلِكُ إِلَّا نَفْسِي وَأَخِي فَافْرُقْ بَيْنَنَا وَبَيْنَ الْقَوْمِ الْفَاسِقِينَ . قَالَ فَإِنَّهَا مُحَرَّمَةٌ عَلَيْهِمْ أَرْبَعِينَ سَنَةً يَتِيهُونَ فِي الْأَرْضِ فَلَا تَأْسَ عَلَى الْقَوْمِ الْفَاسِقِينَ ) (المائدة:21-26) .
والمقصود بالجبارين هنا الكنعانيين، وهم العرب الذين سكنوا الأرض المقدسة، وكانوا عملاقة أقوياء أشداء؛ لذلك قال بنو إسرائيل، وقالوا: ( إِنَّا لَنْ نَدْخُلَهَا أَبَدًا مَا دَامُوا فِيهَا )، فحكم الله عليهم بالتيه أربعين سنة وحرم عليهم أن يدخلوا الأرض المقدسة، ومن شدة تعلق موسى -عليه السلام- بالأرض المقدسة تمنى أن يموت بجوارها، فسأل موسى -عليه السلام- ربه -تبارك وتعالى- أن يقبض روحه بالقرب من الأرض المقدسة، عن ابن عباس -رضي الله عنهما-: أن موسى وهارون -عليهما السلام- قد ماتا في فترة التيه، فمات هارون -عليه السلام- في فترة التيه، ثم مات موسى -عليه السلام- في فترة التيه أيضًا بالقرب من الأرض المقدسة بقدر رمية حجر، وفي صحيح البخاري من حديث أبي هريرة -رضي الله عنه- قال: فَسَأَلَ اللَّهَ أنْ يُدْنِيَهُ مِنَ الأرْضِ المُقَدَّسَةِ رَمْيَةً بحَجَرٍ، قَالَ: قَالَ رَسولُ اللَّهِ -صَلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ-: ( فلوْ كُنْتُ ثَمَّ لَأَرَيْتُكُمْ قَبْرَهُ، إلى جَانِبِ الطَّرِيقِ، عِنْدَ الكَثِيبِ الأحْمَرِ ) (أي: لو كنت هنالك لأريتكم قبره بجانب الطريق عند الكثيب الأحمر، أي: عند كوم رمال أحمر)، ثم بعد ذلك يأتي زمن يوشع -عليه السلام-، وذلك بعد أن خرج جيل جديد، جيل إيماني يستحق أن يدخل الأرض المقدسة، بل يستحق أن يشرف بهذا الفتح، وأن يسعد في الدنيا والآخرة، ويوشع هو فتى موسى الذي صار نبيًّا بعد موسى -عليه السلام-، وبالفعل يتحرك يوشع -عليه السلام- ويدخل بالمؤمنين الموحدين من بني إسرائيل الأرض المقدسة ويفعل ما أراده موسى -عليه السلام- وينتصر بالفعل يوشع علي القوم الجبارين الكنعانين الذين يسكنون الأرض المقدسة.
وقد وقعت حادثة آنذاك خلال فتح يوشع لمدينة القدس، فعندما أوشك يوشع على أن ينتصر في معركته بعد عصر يوم الجمعة، نظر إلى الشمس وقد أوشكت علي الغروب، وكان في شريعتهم أنه لايجوز القتال في يوم السبت، فخاف يوشعُ -عليه السلام- أنْ يَعجِزوا؛ لأنَّه في شَريعتِهم لا يحِلُّ لهم القِتالُ في يوم السبتِ كما ذكرنا، فدعا اللهَ ألا تغرب، وقال "اللهم احبسها علينا"، فأمْسكَها اللهُ حتى دخَل بيتَ المقدسِ، وعن أبي هريرة -رضي الله عنه- قال: قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: ( إِنَّ الشَّمْسَ لَمْ تُحْبَسْ عَلَى بَشَرٍ إِلَّا لِيُوشَعَ لَيَالِيَ سَارَ إِلَى بَيْتِ الْمَقْدِسِ ) (رواه أحمد، وصححه الألباني) .
وهكذا أيَّد الله رُسلَه ونَصَر أولياءَه بمُعجزاتٍ وخوارقَ، فلم تتأخَّرْ الشمس يومًا عن دَورانِها وحركتِها، إلَّا ليُوشعَ بن نونٍ.