شعار المكتبة الرقمية للدعوة السلفية
دخول ♡ قبسات

"القدس" إسلامية مِن البداية للنهاية (1)

زين العابدين كامل • السيرة والتاريخ

ثم آل الملك إلى داود -عليه السلام- مع ما منحه الله به من النبوة العظيمة؛ ولهذا قال -تعالى-: ( وَآتَاهُ اللَّهُ الْمُلْكَ ) الذي كان بيد طالوت ( وَالْحِكْمَةَ ) أي: النبوة.

وهكذا عاد بنو إسرائيل إلى الأرض المقدسة مرة أخرى، وذلك زمن داود -عليه السلام-، ثم مات داود -عليه السلام-، وورث سليمانُ داود، وهنا قام سليمانُ -عليه السلام- بإقامة وتشييد المدينة المقدسة على أفخر طراز في العالم آنذاك، حيث كان سليمان -عليه السلام- يحب الفخامة والوجاهة، فأقام المدينة وشيدها، وشيد المسجد الأقصى المبارك، واليهود يزعمون أن سليمان -عليه السلام- بنا معبدًا يتعبد فيه لله -تعالى-، وهذا هو الهيكل المزعوم الذي يبحث عنه اليهود، ولو أننا سلمنا بوجود ذلك المعبد فقد تم تدميره بالكلية، حيث إن مدينة القدس قد تعرضت للهجوم والتدمير عدة مرات، بل وسلمنا بوجود معبد سليمان، فنحن أحق به، فإن سليمان -عليه السلام- كان مؤمنًا موحدًا، واليهود لا يقرون بنبوته -عليه السلام-.

وفي الحديث: ( لَمَّا فَرَغَ سُلَيْمَانُ بْنُ دَاوُدَ مِنْ بِنَاءِ بَيْتِ الْمَقْدِسِ، سَأَلَ اللَّهَ ثَلَاثًا: حُكْمًا يُصَادِفُ حُكْمَهُ، وَمُلْكًا لَا يَنْبَغِي لَأَحَدٍ مِنْ بَعْدِهِ، وَأَلَّا يَأْتِيَ هَذَا الْمَسْجِدَ أَحَدٌ لَا يُرِيدُ إِلَّا الصَّلَاةَ فِيهِ، إِلَّا خَرَجَ مِنْ ذُنُوبِهِ كَيَوْمِ وَلَدَتْهُ أُمُّهُ )، فَقَالَ النَّبِيُّ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-: ( أَمَّا اثْنَتَانِ فَقَدْ أُعْطِيَهُمَا، وَأَرْجُو أَنْ يَكُونَ قَدْ أُعْطِيَ الثَّالِثَةَ ) (رواه أحمد والنسائي، وصححه الألباني) .

انقسام القدس واحتلال الرومان:

لقد مات سليمان -عليه السلام- بعد أن شيَّد وأقام المدينة والمسجد الأقصى، ثم تعرضت المدينة لحرب أهلية، وقد انقسمت المملكة على إثرها إلى شطرين: (القسم الجنوبي وهو يهوذا، وعاصمته: أورشليم القدس)، و(القسم الشمالي وهو مملكة إسرائيل).

ولقد احتل الرومان فلسطين ومدينة القدس بقيادة قيصر الروماني (بومبي) عام (66) ق.م، ثم في عام (37) ق.م تعرضت المدينة للحصار والقذف بالمنجنيق عن طريق هيرودس الآدومي، ثم تعرضت القدس المباركة للنهب والحرق على يد تيتوس الروماني، وكان ذلك عام 70 م، وهكذا انتشرالدمار والخراب منذ أن دخل الرومان المدينة المباركة، وقد كانت المدينة تعرف في ذلك الزمان بمدينة (إليا) أو (إلياء)؛ ولذا نقول: إنه على فرض وجود ما يعرف بالهيكل؛ فلا ريب أنه قد تم تدميره خلال تلك الحروب.

يحيى وعيسى -عليهما السلام-:

وقد دلت النصوص والآثار على أن يحيى وعيسى -عليهما السلام- قد اجتمعا في المدينة المقدسة مع بني إسرائيل، وقد اجتمع يحيى بأتباعه من بني إسرائيل في المسجد الأقصى؛ فقد روى الترمذي في سننه بسند صحيح من حديث الحارث بن الحارث الأشعري أن النبي -صلَّى اللهُ علَيه وسلَّم- قال: ( إِنَّ اللَّهَ أَمَرَ يَحْيَى بْنَ زَكَرِيَّا بِخَمْسِ كَلِمَاتٍ أَنْ يَعْمَلَ بِهَا وَيَأْمُرَ بني إسرائيل أَنْ يَعْمَلُوا بِهَا، وَإِنَّهُ كَادَ أَنْ يُبْطِئَ بِهَا، فَقَالَ عِيسَى: إِنَّ اللَّهَ أَمَرَكَ بِخَمْسِ كَلِمَاتٍ لِتَعْمَلَ بِهَا وَتَأْمُرَ بني إسرائيل أَنْ يَعْمَلُوا بِهَا، فَإِمَّا أَنْ تَأْمُرَهُمْ، وَإِمَّا أَنَا آمُرُهُمْ، فَقَالَ يَحْيَى: أَخْشَى إِنْ سَبَقْتَنِي بِهَا أَنْ يُخْسَفَ بِي أَوْ أُعَذَّبَ، فَجَمَعَ النَّاسَ فِي بَيْتِ المَقْدِسِ، فَامْتَلَأَ المَسْجِدُ وَقَعَدُوا عَلَى الشُّرَفِ -جمعُ شُرْفةٍ، وهي: الأماكنُ المرتفِعةُ في المسجدِ وحولَه- فَقَالَ: إِنَّ اللَّهَ أَمَرَنِي بِخَمْسِ كَلِمَاتٍ أَنْ أَعْمَلَ بِهِنَّ، وَآمُرَكُمْ أَنْ تَعْمَلُوا بِهِنَّ: أَوَّلُهُنَّ أَنْ تَعْبُدُوا اللَّهَ وَلَا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا... ) (رواه الترمذي، وصححه الألباني) .

وللحديث بقية -إن شاء الله-.

الصفحة السابقة