"القدس" إسلامية مِن البداية للنهاية (1)
زين العابدين كامل • السيرة والتاريخ
القدس وبختنصر البابلي:
ثم تمر السنون والأزمنة، ويظهر الفساد في بني إسرائيل الذين دخلوا الأرض المقدسة، فكفروا بالله -عز وجل-، وكذبوا الرسل، وهنا أرسل الله -تعالى- عليهم عدوًّا مِن غيرهم قاتلهم، فأسر منهم خلقًا كثيرًا، وقد قَتَلَ أشرافهم وعلماءهم، وهذا العدو هو (بُختنصر)، وكان رجلًا كافرًا، فدخل بختنصر المدينة المقدسة المباركة واستولى عليها، وعاد بنو إسرائيل إلى العراق، وعاشوا في أرض بابل.
وقد ذهب غير واحد من المفسرين إلى: أن هذا الفساد الذي وقع من بني إسرائيل، هو الفساد الأول المذكور في سورة الإسراء، قال -تعالى-: ( وَقَضَيْنَا إِلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ فِي الْكِتَابِ لَتُفْسِدُنَّ فِي الْأَرْضِ مَرَّتَيْنِ وَلَتَعْلُنَّ عُلُوًّا كَبِيرًا . فَإِذَا جَاءَ وَعْدُ أُولَاهُمَا بَعَثْنَا عَلَيْكُمْ عِبَادًا لَنَا أُولِي بَأْسٍ شَدِيدٍ فَجَاسُوا خِلَالَ الدِّيَارِ وَكَانَ وَعْدًا مَفْعُولًا ) (الإسراء:4-5) ، وقد ذكر بعض المؤرخين أن دخول بختنصر كان بعد زمن سليمان -عليه السلام-، والذي أرجحه أن دخول بختنصر كان بعد الفساد الأول في ذلك الزمان.
ومِن هنا يظهر: أن مدينة القدس هي المؤشر الرئيسي والمعيار الحقيقي لحال الأمم، فلما عاد بنو إسرائيل إلى الله مع يوشع استردوا الأرض المقدسة وأخذوها من الكنعانيين العمالقة، ثم لما ظهر الفساد في بني إسرائيل، حُرموا من الأرض المباركة، وانتقلوا الى أرض بابل بالعراق.
ومن هنا نقول: إن القدس لا تكون إلا للمؤمنين؛ سواء كانوا من بني إسرائيل أو من غيرهم.
القدس في عصر داود وسليمان -عليهما السلام-:
ثم أن الذين هاجروا من بني إسرائيل من القدس إلى أرض العراق، بعد دخول بختنصر وسبي بابل، ندموا بعد فترة من الزمن وتابوا إلى الله -تعالى-، وأرادوا أن يعودوا إلى بيت المقدس مرة أخرى، وأن يجاهدوا ويستردوها، فذهبوا الى نبي لهم، وطلبوا منه أن يدخلوا الأرض المقدسة، وأن يجاهدوا الأعداء، وأعلنوا توبتهم لله -عز وجل-، كما قال -تعالى- في سورة البقرة: ( أَلَمْ تَرَ إِلَى الْمَلَإِ مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ مِنْ بَعْدِ مُوسَى إِذْ قَالُوا لِنَبِيٍّ لَهُمُ ابْعَثْ لَنَا مَلِكًا نُقَاتِلْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ قَالَ هَلْ عَسَيْتُمْ إِنْ كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِتَالُ أَلَّا تُقَاتِلُوا قَالُوا وَمَا لَنَا أَلَّا نُقَاتِلَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَقَدْ أُخْرِجْنَا مِنْ دِيَارِنَا وَأَبْنَائِنَا فَلَمَّا كُتِبَ عَلَيْهِمُ الْقِتَالُ تَوَلَّوْا إِلَّا قَلِيلًا مِنْهُمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِالظَّالِمِينَ ) (البقرة:246) ، والنبي المذكور في الآية لم يسمه الله -تعالى-، فقيل: هُوَ شَمْوِيلُ. وقيل: شمعون. وقيل غير ذلك.
ثم كان مِن أمر بني إسرائيل وهم الذين طلبوا الجهاد في سبيل الله، أن تراجع كثير منهم عن الجهاد، قال -تعالى-: ( فَلَمَّا كُتِبَ عَلَيْهِمُ الْقِتَالُ تَوَلَّوْا إِلَّا قَلِيلًا مِّنْهُمْ )، وهنا أرسل الله -تعالى- إليهم طالوت ملكًا، فاعترضوا على قيادة طالوت للجيش، قال -تعالى-: ( وَقَالَ لَهُمْ نَبِيُّهُمْ إِنَّ اللَّهَ قَدْ بَعَثَ لَكُمْ طَالُوتَ مَلِكًا قَالُوا أَنَّى يَكُونُ لَهُ الْمُلْكُ عَلَيْنَا وَنَحْنُ أَحَقُّ بِالْمُلْكِ مِنْهُ وَلَمْ يُؤْتَ سَعَةً مِنَ الْمَالِ قَالَ إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَاهُ عَلَيْكُمْ وَزَادَهُ بَسْطَةً فِي الْعِلْمِ وَالْجِسْمِ وَاللَّهُ يُؤْتِي مُلْكَهُ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ ) (البقرة:247) .
ثم كانت مرحلة التصفية النهائية وتنقية الجيش، وكان الاختبار في هذه المرحلة عبارة عن الامتناع عن شرب الماء، قال لهم طالوت: ( إِنَّ اللَّهَ مُبْتَلِيكُمْ بِنَهَرٍ فَمَنْ شَرِبَ مِنْهُ فَلَيْسَ مِنِّي وَمَنْ لَمْ يَطْعَمْهُ فَإِنَّهُ مِنِّي إِلَّا مَنِ اغْتَرَفَ غُرْفَةً بِيَدِهِ فَشَرِبُوا مِنْهُ إِلَّا قَلِيلًا مِنْهُمْ ) (البقرة:249) ، وللأسف شرب أغلبهم من النهر ورسبوا في الاختبار، وهناك قلة اكتفت بغرفة واحدة أجازها لهم طالوت، ومن العجيب أن مَن تتابع منهم في الشرب الذي نهي عنه لم يروه الماء، ومَن لم يطعمه إلا كما أُمر، أي: غرفة بيده؛ كفاه ذلك.
وهنا قرر طالوت استبعاد كل من ضعف أمام شهوة شرب الماء، ورأى أن هؤلاء غير مؤهلين لخوض تلك الحرب، فأحوالهم لا تتناسب مع هذا الموقف الجهادي الذي يحتاج إلى رجال من نوع خاص؛ رجال لهم مواصفات خاصة.
ويقال: إن بني إسرائيل كانوا ثمانين ألفًا، ورد ذلك عن السدي وعكرمة، وعن ابن عباس: أنهم كانوا سبعين ألفًا. وقال مقاتل: مائة ألف، فلما أتوا إلى النهر شرب أكثرهم ولم يعبر النهر إلا ثلاثمائة وبضعة عشر كما ثبت في صحيح البخاري، فعن البراء بن عازب قال: "كُنَّا أَصْحَابَ مُحَمَّدٍ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-، نَتَحَدَّثُ: أَنَّ عِدَّةَ أَصْحَابِ بَدْرٍ عَلَى عِدَّةِ أَصْحَابِ طَالُوتَ الَّذِينَ جَاوَزُوا مَعَهُ النَّهَرَ، وَلَمْ يُجَاوِزْ مَعَهُ إِلَّا مُؤْمِنٌ بِضْعَةَ عَشَرَ وَثَلاَثَ مِائَة"، وكان مِن هؤلاء: داود -عليه السلام-.
وهنا يتخذ طالوت قرارًا برد واستبعاد كل مَن ضعف أمام شهوة شرب الماء؛ فلقد استبعد أكثر من 99,5% من الجيش، ولكن هكذا الإيمان بالله -تعالى-، قال -تعالى-: ( وَلَمَّا بَرَزُوا لِجَالُوتَ وَجُنُودِهِ قَالُوا رَبَّنَا أَفْرِغْ عَلَيْنَا صَبْرًا وَثَبِّتْ أَقْدَامَنَا وَانصُرْنَا عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ . فَهَزَمُوهُم بِإِذْنِ اللَّهِ ) (البقرة:250-251) ، وصدق الله إذ يقول: ( كَمْ مِنْ فِئَةٍ قَلِيلَةٍ غَلَبَتْ فِئَةً كَثِيرَةً بِإِذْنِ اللَّهِ وَاللَّهُ مَعَ الصَّابِرِينَ ) (البقرة:249) ، وهكذا لا اعتبار لعددٍ ولا عدة مع قوة الإيمان واليقين بالله -تعالى-، ولكن مع مراعاة موازين القوى وفقه الواقع.
قال الله -تعالى-: ( فَهَزَمُوهُم بِإِذْنِ اللَّهِ ) أي: غلبوهم وقهروهم بنصر الله لهم، وقتل داود جالوت.