شعار المكتبة الرقمية للدعوة السلفية
دخول ♡ قبسات

محاولة التغلغل الإيراني في المقاومة الفلسطينية وموقفنا منه

الشيخ عبدالمنعم الشحات • قضايا معاصرة

الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد؛

فقد بدأت حركة المقاومة المسلحة الفلسطينية بجميع أطيافها بعد حرب 56، ولكنها لم تنشط بالقدر الكافي إلا بعد حرب 67، وكان مِن الطبيعي أن تتحمل الحركةُ الإسلامية "لا سيما الإخوان" العبءَ الأكبر مِن ذلك؛ إلا أن قيادة الإخوان في فلسطين رأوا أنهم في حاجة إلى إعدادٍ وتربيةٍ قبل الدخول في مواجهاتٍ مع اليهود؛ مما دعا مجموعة من الإخوان أن ينشقوا عليهم ويؤسِّسوا حركة "فتح" -ومنهم "ياسر عرفات" نفسه- التي بدأ تكوينها في عام 56، وصَدَر بيانها الأول عام 65، وكانت أبرز عملياتها: "معركة الكرامة" عام 68.

وكان "عبد الناصر" يأخذ منها موقفًا عدائيًّا في أول الأمر؛ لكراهيته الشديدة لكلِّ ما هو إخواني؛ ولأنه يدعم "منظمة التحرير" التي نشأتْ بقرارٍ مِن جامعة الدول العربية؛ إلا أن هزيمة 67 وانتصار "فتح" في معركة الكرامة جعله يتبنى "حركة فتح"، بل دَعَم ضمَّها إلى المنظمة، ودعم "ياسر عرفات" في الوصول إلى قيادة المنظمة؛ مما كان له أثرٌ في تخلي "ياسر عرفات" عن التوجُّه الإسلامي، وتبنيه للتوجه الثوري؛ أيًّا ما كان "ناصريًّا أو شيوعيًّا أو شيعيًّا!"؛ ولذلك يمَّم "عرفات" وجهه شطر "الثورة الإيرانية" فور قيامها، ففوجئ بأن الشرط الرئيسي لهم لكي يقدِّموا له دعمـًا فَعَّالًا هو أن ينسلخ تمامًا مِن العرب، ويعلن انضمامه إلى "الثورة الإيرانية"، فرفض؛ مما جعله لا يحصل منهم إلا على الفتات، والذي أخذوا له ثمنـًا غاليـًا، وهو: تولي "منظمة فتح" تدريب كوادر "حركة أمل الشيعية".

بل إن "ياسر عرفات" لما أُجْبِر على ترك لبنان عام 82، ترك معظم أسلحته لـ"حركة أمل"، على أملٍ أن تقوم بالدفاع عن اللاجئين الفلسطينيين في "لبنان" التي كانت تدور فيها حربٌ أهلية طاحنة، كان الفلسطينيون دائمًا مستهدفين فيها؛ لأنهم -مِن وجهة كافة الأحزاب المتناحرة- يُعتبَرون إضافة لرصيد أهل السنة في لبنان؛ إلا أن "أمل" خذلت الفلسطينيين في مذبحة "صابرا وشاتيلا" الأولى عام 82، والتي نفَّذتها قوات الكتائب النصرانية في حماية وحراسة القوات الإسرائيلية، وفي ظلِّ صمتٍ تامٍّ مِن قوات "أمل" الشيعية التي ورثت السلاح الفلسطيني غنيمة باردة!

ولم يقتصِر الأمرُ عند هذا الحدِّ، بل قامت منظمة "أمل" نفسها بمذبحة "صابرا وشاتيلا" الثانية، والتي أنست الناس ما فعله اليهود والنصارى في المذبحة الأولى؛ وذلك أن حركة "أمل" في أحد أطوار الحرب الأهلية اللبنانية فرضت حراسة على مخيمات "صابرا وشاتيلا" لمنع الفلسطينيين مِن دعم أهل السُّنَّة، ثم ادَّعت إحدى دوريات الأمن التابعة لحركة "أمل" أن صبيًّا فلسطينيًّا تعرَّض لهم؛ فاقتحموا المخيمات، وقاموا بمذبحة بشعة في إحدى مستشفيات المخيم!

ثم دار قِتَالٌ شرسٌ لمدة أربعين يومًا، عرقلتْ حركة "أمل" أثناءه أي محاولة للصلح إلى إن سقط مخيم "صابرا"، وكان تعليق معظم شهود العيان على ما ارتكبته قوات "أمل": "لقد فعل هؤلاء بنا ما لم يفعله اليهود!"، ثم جلسوا للصلح الذي أعاد حصار "أمل" للمخيمات مع فضِّ الاشتباك.

وجدير بالذكر أيضًا: أن المذبحة بدأت في أول رمضان، ولم تنتهِ إلا بعد انتهائه، وكان "الخوميني" يعتذر عن مقابلة كلِّ مَن يطلب مقابلته بخصوص هذا الأمر: بأنه منقطع للعبادة في رمضان! ثم لما انتهى رمضان ألقى خطابًا شاملًا لم يتعرض فيه للمذبحة إلا بجملةٍ يسيرةٍ، دعا فيها الجميع إلى ضبط النفس!

وجدير بالذكر أيضًا: أن عار "صابرا وشاتيلا" كان أحد أهم العوامل التي حَدَت بإيران إلى إنشاء منظمة جديدة، هي: "أمل الإسلامية"، والتي تحولت فيما بعد إلى "حزب الله"؛ لكي يتسنى لهم ادِّعاء براءتهم من عار "صابرا وشاتيلا"؛ إلا أنه فاتهم أن معظم قادة "أمل" الإسلامية كانوا قادةً، أو -على الأقل- أعضاءً في حركة أمل وقت المذبحة، ومنهم: "حسن نصر الله" الأمين العام الحالي لحزب الله!

والحاصل: أن حبال الودِّ بين "منظمة التحرير" و"إيران" قد تقطَّعت تمامًا بعد هذه المذبحة؛ لا سيما أن المنظمة بدأت في هذه الفترة المفاوضات الأولية للحلِّ السلمي؛ مما يعني أنهم غير صالحين لأن يكونوا امتدادًا للثورة الإيرانية (يراجع في ذلك: "المقاومة المسلحة ضد المشروع الصهيوني في فلسطين 1920 - 2001" للدكتور "محسن محمد صالح" مِن منشورات المركز الفلسطيني للإعلام، وعبد الله الغريب "أمل والمخيمات") .

ومع نهاية العلاقة بين "فتح" و"إيران"، كان قد ظهر على الساحة الدكتور "فتحي الشقاقي" مؤسس "جماعة الجهاد الفلسطينية"، والذي تبنى الفكر الناصري في بداية حياته، ثم انضم إلى الإخوان في عام 68 متأثرًا بهزيمة 67، ولكنه كان يحاول الدفع في اتجاه العمل المسلح، ولكن مع استمرار رفض القيادات الإخوانية لهذا المبدأ استقال من الجماعة عام 74، وذهب للدراسة في كلية طب الزقازيق في مصر، وهناك اتصل بجماعة "الجهاد المصرية"، كما اتصل بجمعية "أهل البيت" وحصل منهم على ترجمة عربية لكتاب "الحكومة الإسلامية" للخوميني.

ومن الواضح: أن "الشقاقي" قد قرأ الكتاب بروحه الثورية القديمة، فرأى فيه الأمل للأمة، والمخرج لها من ورطتها، وأقنع نفسه: أن الكتاب كُتِب بروح إسلامية عامة، وليس بروح مذهبية؛ أضف إلى ذلك: أنه لم يكن متمكنًا من معرفة المنهج الشيعي.

وألَّف "الشقاقي" كتاب: "الخوميني... الحل الإسلامي والبديل!"، والذي اعتقل بسببه في مصر ثم أفرج عنه، وعاد إلى "فلسطين" ليؤسس جماعة "الجهاد الإسلامي الفلسطيني" عام 80، وليظل مدافعًا عن كل مواقف "الثورة الإيرانية" إلى أن تم إبعاده إلى الجنوب اللبناني عام 88، وعاد بعدها ليتمكن من السفر إلى "إيران"؛ للحصول على الدعم اللازم، والذي فوجئ أن شروطه هو إعلان أن المرشد لحركة "الجهاد الإسلامي" هو مرشد الثورة الإيرانية، وأن يصعِّد مِن هجومه على "فتح!"؛ فرفض هذه الشروط إلى أن تم اغتياله بواسطة "الموساد" عام 95، وإن كان هذا لم يمنع باحثًا مثل: "صباح الموسوي" -رئيس حزب النهضة العربي الأحوازي- أن يكتب في موقع إيلاف: "مَن باع فتحي الشقاقي للموساد؟!".

الصفحة التالية