محاولة التغلغل الإيراني في المقاومة الفلسطينية وموقفنا منه
الشيخ عبدالمنعم الشحات • قضايا معاصرة
تولَّى قيادة "حركة الجهاد" بعد "الشقاقي" الدكتور "رمضان شلح"، الذي أعلن أن مرشد حركته هو المرشد الأعلى للثورة الإيرانية، وبدأ بتوزيع كتب التقريب بين السُّنة والشيعة بكميةٍ كبيرةٍ، بل بدأ بتوزيع كتب تنتصر للمذهب الشيعي؛ مما نتج عنه تشيُّع بعض أفراد الحركة، ويبدو أن الحركة لم تكن تريد للأمور أن تصل إلى هذا الحدِّ؛ حيث صَرَّح أحد المتشيعين أنه تعرَّض لضغوطٍ مِن قِبَل الحركة لما أعلن تشيعه، ويبدو أن الحركة كانت تريد أن تقف عند حدود التشيع السياسي -كما يسمونه- دون أن يمتد هذا إلى التشيع العقدي، لكن هذه النتيجة الطبيعية لتمجيد رموز الشيعة ليل نهار، مع نشر كتب ظاهرها التقريب -وهو شرٌ في حدِّ ذاته-؛ إلا أن الكثير منها كان باطنه الدعوة المباشرة إلى التشيع (يراجع كتاب: "الراصد للمشكلة الشيعية"، وهو عبارة عن مجموعة مقالات عن الشأن الشيعي، منها مقالة بعنوان: "حركة الجهاد الإسلامي والهوى الشيعي الإيراني") .
ومِن المهم هنا: أن نورد الرسالة التي تلقَّاها الكاتبُ بعد نشره للمقال على (موقع الراصد) -فضمها إليه في الكتاب المذكور-، جاء في الرسالة: "إن "حركة الجهاد" و"سرايا القدس" بريئة براءة الذئب مِن دمِّ يوسف مِن تهمة التشيع... نعلم بوجود عددٍ مِن الشيعة في "حركة الجهاد"، وبعض المتعاطفين مع الشيعة كحال بعض المسلمين ممَّن وقعوا فريسة لأوهام الانتصار في "لبنان" و"حزب الله"، و"الثورة الخمينية"... ووالله يا إخوة يا أحباب، إن عددَ هؤلاء لا يُعد على أصابع اليد الواحدة! وإن السلفيين في الحركة وفي السرايا أضعاف أضعاف هذا العدد... يوجد صراعٌ كبيرٌ في الحركة، والأقلية ارتضت أن تكون في صفِّ الشيعة، والأغلبية تتصدَّى لهم -بحمد الله-!".
ونترك الآن الكلام على "جماعة الجهاد"، لننتقل إلى الكلام على الجماعة الأكثر سيطرة على الأمور في "غزة"، وهي: حركة "حماس"، والتي ظهرت على الساحة في عام 87 على أنها جناحٌ مِن أجنحة "الإخوان المسلمين"، ويبدو أن هذا لكي تتمكن من إعلان أنها حركة فلسطينية تجاهد من أجل "فلسطين"، وداخل حدود "فلسطين" فقط؛ بخلاف الخطاب العالمي الذي تميل "الجماعة الأم" لاستخدامه عادة.
واستطاعت الجماعة مِن خلال قيادتها للانتفاضة، ومِن خلال عملها الدعوي والاجتماعي أن تكون هي الجماعة الأكثر انتشارًا بين الإسلاميين في "فلسطين"، بل أصبحت هي الجماعة الأكثر قبولًا لدى عموم الفلسطينيين في "غزة"؛ بالإضافة إلى مزاحمتها لـ"فتح" في "الضفة" (يُرَاجع في ذلك: "المقاومة المسلحة ضد المشروع الصهيوني في فلسطين 1920 - 2001" للدكتور: محسن محمد صالح، مِن منشورات المركز الفلسطيني للإعلام) .
وقد أخذت "حماس" على "الجهاد" انفتاحها على التشيع، حتى إن الشيخ "أحمد ياسين" لما وافق على إجراء بعض الاتصالات بـ"إيران" كَتَب موضِّحًا موقف "حماس" مِن "إيران" في كِتَاب لم نطَّلع عليه؛ إلا أن عنوانه ظاهر: "نحن والشيعة... تقاطع مصالح لا تحالف"، وقد ظل ذلك الموقف حتى وقت قريب.
ومِن جهود الجماعة في محاربة التشيع: أن الدكتور "صالح الرقب" القيادي البارز في "حماس" قد كتب في عام 2003 كتابًا بعنوان: "الوشيعة في كشف شنائع وضلالات الشيعة"؛ ذكر أن الباعث على تأليفه هو زيادة الدعوة إلى منهج الشيعة الاثني عشرية في "غزة" في الآونة الأخيرة، كما أشار إليه الأستاذ "أسامة شحادة" في مقالة له على (موقع الراصد) بعنوان: "الإخوان - حماس والسؤال الحائر"، وهو منشور ضمن كتاب: "المشكلة الشيعية".
والمُلاحَظ: أن العلاقة بين "إيران" و"حماس" قد تطورت باتفاق الجميع، ولكن بعض المدافعين عن "حماس" يرون أنه تطور في حدود التقاء المصالح، ولم يتطرق بعد إلى التحالف المذهبي، ومِن جملة مَن دافع عن حماس الأستاذ "صلاح حميدة" في مقال له بعنوان: "جدلية العلاقة بين إيران والمقاومة الفلسطينية"، والمنشور على "موقع المركز الفلسطيني للإعلام"، وهو لم يخرج عما ذكره الأستاذ "خالد مشعل" في حواره مع "قناة العربية"، وإن كان هذا الحوار كان قبل حرب غزة الأخيرة.
وهذه مقتطفات من مقال "صلاح حميدة": "بالنسبة لحركة "حماس"، كانت بدايات الاتصال بينها وبين الشيعة عندما تم إبعاد المئات من قادتها إلى لبنان في بداية التسعينيات، بعد عملية أسر الجندي الإسرائيلي "نسيم طوليدانو"، وبدأت الاتصالات بين الجانبين، ولكنها بقيت على مستوى منخفض، ولكن "حماس" فتحت مكتبًا لها في "طهران"، ولم تُتهم "حماس" أبدًا أنها تتبع لـ"إيران"؛ فقد كان مكتبها السياسي موجودًا في "الأردن"، وكان الاتهام لها بأنها تتبع "الأردن" وتؤيد الخيار الأردني للحل؟!
بعد وفاة الملك "حسين" ساءت العلاقة بين "حماس" والنظام هناك؛ فأُجبِر أعضاء "المكتب السياسي للحركة" على الاختيار بين البقاء في السجن، أو المغادرة إلى: "قطر"، و"سوريا"، و"إيران"، و"السودان"، و"اليمن"، وبقي هؤلاء الأعضاء في تلك الدول في حالة تنقل دائم.
منذ تلك الفترة و"حماس" تُتهم بأنها ضمن المحور: "السوري - الإيراني - القطري"، ويتم تجاهل "اليمن"، و"السودان"، وأحيانًا لا تذكر إلا "إيران"؟!".
ويقول: "قررت "حماس" الابتعاد عن كافة التناقضات الداخلية في كافة الدول العربية والإسلامية، وغيرها، ونأت بنفسها عن كلِّ الصراعات الجانبية، وحصرت معركتها مع الاحتلال على أرض "فلسطين"؛ ولذلك استطاعت الوصول إلى صيغة توافق مع النظام السوري الذي ارتكب مجازر بحق "الإخوان المسلمين" في "سوريا"، واستطاعت إيجاد صيغة تعاون مع "إيران" الشيعية التي تختلف معها مذهبيًّا، وتعمل بجدٍّ على إيجاد صيغ مماثلة حتى مع أكثر الدول عداءً لها: كالنظام المصري، والسعودي، والأردني، وغيرهم ممَّن يمكرون بحماس ويريدون القضاء عليها، ويتحالفون مع "إسرائيل" لتحقيق هذا الهدف!".
ورغم ذلك فيرصد الأستاذ "أسامة شحادة" مظاهر مداهنة للشيعة في حركة "حماس"، منها: "تصريح "أحمد يوسف" مستشار "إسماعيل هنية" الذي قال فيه: ما العيب أن تكون شيعيًّا؟! إن الشيعة هم عز ذلك الزمان!".