"القدس" إسلامية من البداية للنهاية (2)
زين العابدين كامل • السيرة والتاريخ
الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد؛
القدس في التاريخ الإسلامي:
ونعني بالتاريخ الإسلامي، أي: منذ بعثة النبي محمدٍ -صلى الله عليه وآله وسلم-، وقد ذكرنا آنفًا أن القدس تعرضت للاحتلال من الرومان.
وهنا فكَّر النبي -عليه الصلاة والسلام- في أن يسترد بيت المقدس بعد انعقاد القمة النبوية، وأعني بانعقاد القمة النبوية: اجتماع الرسل والأنبياء في مدينة القدس في المسجد الأقصى ليلة الإسراء والمعراج، يوم أن صلى النبي -عليه الصلاة والسلام- إمامًا بالأنبياء والمرسلين، وكأنه -عليه الصلاة والسلام- يتسلم منهم المسئولية لتحمل الأمانة في استرداد بيت المقدس ومدينة القدس إلى حظيرة الإسلام مرة أخرى، فهؤلاء الأنبياء الذي صلوا خلف رسول الله -صلى الله عليه وسلم- ليلة الإسراء والمعراج، فيهم إبراهيم أول مَن دخل المدينة وبنى المسجد الأقصى، وفيهم داود الذي قاتل وانتصر في المدينة، وفيهم سليمان الذي شيَّد المدينة المباركة، والذي شيد المسجد الأقصى.
فهذا الاجتماع كان لربط عقائد التوحيد من لدن إبراهيم إلى محمد -عليهما الصلاة والسلام-، وليتسلم النبي -عليه الصلاة والسلام- المسئولية تجاه مدينة القدس، ثم لإقامة الحجة على مشركي مكة، حيث وصف لهم الرسول -صلى الله عليه وسلم- بيت المقدس؛ ولذا لم تكن في المسجد الحرام. والله أعلى وأعلم.
وبالفعل بدأ النبي -عليه الصلاة والسلام- يمهد الطريق الى استرداد المدينة المقدسة: ففي العام السابع من الهجرة كان هرقل ملك الروم في مدينة إلياء يحتفل بذكرى النصر على الفرس، فأرسل له رسول الله -صلى الله عليه وسلم رسالة يدعوه فيها إلى الإسلام، وكأنه يقول له: "لن تدوم لكم"، ثم في العام الثامن كانت معركة "مؤتة" على حدود الشام، وقد أرسل رسول الله -صلى الله عليه وسلم-، ثلاثة آلاف من المسلمين بقيادة زيد بن حارثة -رضي الله عنه-، وهكذا يمهِّد رسول الله -صلى الله عليه وسلم- الطريق ويقترب من فلسطين.
ثم كانت غزوة "تبوك" في العام التاسع الهجري بعد أن انتصر رسول الله -صلى الله عليه وسلم- على مشركي مكة وطهرها من الرجس والأوثان؛ فتحرك رسول الله -صلى الله عليه وسلم- في ثلاثين ألف مقاتل نحو الشمال للقاء الرومان في تبوك، ثم بعد عودة النبي -صلى الله عليه وسلم- من حجة الوداع جهَّز جيشًا لغزو الروم بقيادة أسامة بن زيد -رضي الله عنه-، وكان ذلك في العام الحادي عشر، وبعد وفاة الرسول -صلى الله عليه وسلم- وتولي الصديق -رضي الله عنه- أمر الخلافة، أرسل جيش أسامة إلى البلقاء والداروم من أرض فلسطين، ثم في العام الثاني عشر أرسل أبو بكر الجيوش الإسلامية إلى الشام، وأرسل جيشًا بقيادة عمرو بن العاص -رضي الله عنه- إلى أرض فلسطين، ثم في العام الخامس عشر يحاصر المسلمون مدينة القدس بقيادة أبي عبيدة بن الجراح -رضي الله عنه-، ولما اشتد الحصار على الرومان وافقوا على تسليم المدينة للمسلمين، وبالفعل تحرك الفاروق عمر -رصي الله عنه- وتسلم مفاتيح بيت المقدس ودخل المسجد الأقصى المبارك، وكتب لأهل إلياء العهدة العمرية يؤمنهم على أنفسهم وأموالهم وكنائسهم.
ثم في عصر الدولة الأموية: اهتم الأمويون بمدينة القدس، وقام عبد الملك بن مروان ببناء قبة الصخرة، وهي عبارة عن تحفة معمارية، وقد بدأ العمل في بنائها سنة 66هـ / 685م، وتم الفراغ منها سنة 72هـ / 691م. وقيل: إن الوليد بن عبد الملك هو مَن استكمل تشيدها.
وقد قام سليمان بن عبد الملك بتشييد مدينة الرملة بفلسطين في أواخر القرن الأول الهجري، عندما كان أميرًا لجند فلسطين في خلافة أخيه الوليد بن عبد الملك.
ثم جاء العصر العباسي واهتم بعض بني العباس كذلك بمدينة القدس، ولكن بعد أن تغيَّر المناخ وكثر الفساد، وانتشر الظلم في مرحلةٍ معينةٍ من مراحل الدولة العباسية، وقعت القدس في احتلال الدولة العبيدية الشيعية سنة عام 359هـ، وقد تعاون الشيعة مع غير المسلمين لإحتلال المدينة المقدسة، ثم لما وصلت الدولة العباسية إلى أضعف أحوالها، جاء الصليبيون مع وجود الدولة العبيدية، ووقعت القدس في أسر الصليبين عام (492 هـ /1099 م).
ويذكر ابن الأثير -رحمه الله-: أن الصليبيين اقتحموا أسوار القدس، ودخلوها وقتلوا معظم مَن فيها مِن السكان، حتى إنهم قتلوا في ساحة المسجد الأقصى أكثر من سبعين ألفًا!
ثم رفع الصليبيون الصليب على المسجد، ومنعوا صلاة الجماعة أكثر من تسعين سنة، ثم بدأت الأمة تعود إلى خالقها وتتمسك بدينها، فأكرم الله الأمة بمجموعة من العظماء المجاهدين: كعماد الدين زنكي، ونور الدين محمود، وصلاح الدين الأيوبي، وغيرهم، فتم القضاء على الدولة العبيدية الشيعية، وتوحدت مصر والشام تحت راية واحدة، ودخل صلاح الدين مدينة القدس بعد رحلة طويلة من الجهاد والكفاح، وانتصر على الصليبيين في معركة حطين عام 583هـ / 1187م، واسترد مدينة القدس والمسجد الأقصى مرة أخرى.
ومِن المؤرخين مَن ذكر: أن تحرير القدس ودخول صلاح الدين المسجد الأقصى كان في السابع والعشرين من شهر رجب، أي: ليلة ذكرى الإسراء والمعراج، أي: في مثل اليوم الذي اجتمع فيه الرسول -صلى الله عليه وسلم بالأنبياء-، على قول مَن يقول: إن الإسراء والمعراج كان في السابع والعشرين من شهر رجب.
ومما سبق يتضح أن: توحيد مصر والشام له تأثير جيد على أحوال الأمة، وهو مؤشر قوي يدل على قوتها وشدة بأسها، ويتضح كذلك: أن القدس هي المؤشِّر المعبِّر عن حال الأمة، ويتضح كذلك أن القدس ميراث إسلامي خالص.
صفقة تسليم مدينة القدس في عصر السلطان الكامل: