"القدس" إسلامية من البداية للنهاية (2)
زين العابدين كامل • السيرة والتاريخ
وقد ظل المسلمون يسيطرون على مدينة القدس منذ أن حررها صلاح الدين الأيوبي -رحمه الله- حتى كان عصر السلطان الكامل بن العادل الأيوبي سلطان مصر، وهو الذي تعامل مع القدس وكأنها جوهرة ثمينة يهديها للأعداء حفاظًا على كرسيه وسلطانه، ولم يتعامل معها كمدينة مقدَّسة لها قدرها وقدسيتها، فلقد عرض على الصليبيين أن يسلمهم مدينة القدس، وذلك أثناء حصارهم لمدينة دمياط عام ( 616هـ / 1219م)، وذلك مقابل الجلاء عن مصر، وهذه الحملة هي ما تعرف بالحملة الصليبية الخامسة على مصر، وقد قدَّر الله -تعالى- أن يرفض الصليبييون هذا العرض حيث إنهم كانوا يطمعون في الاستيلاء على مصر، وظلُّوا في دمياط ثمانية عشر شهرًا كاملةً، حتى تمكَّن المصريون من الانتصار عليهم وطردهم من دمياط، وقد تعاون أبناء السلطان الملك العادل الثلاثة: الكامل محمد، والمعظم عيسى، والأشرف موسى، أثناء هذه الحملة مما كان له أثر بالغ في انتصار المسلمين على الحملة الصليبية، ثم بسبب الصراع على الكراسي والمناصب شبَّ صراع بين الكامل وأخيه السلطان المعظم عيسى صاحب دمشق، واستعان كلٌّ من الأخوين بقوى خارجيَّة لمؤازرته ومساندته في مواجهة الآخر؛ فاستنجد الملك المعظم بالسلطان جلال الدين بن خوارزم شاه سلطان الدولة الخوارزمية، في حين استعان السلطان الكامل بالإمبراطور فريدريك الثاني صاحب صقلية وإمبراطور الدولة الرومانية في غرب أوروبا.
وللأسف الشديد: كان الثمن الذي أعلنه السلطان الكامل للإمبراطور فريدريك هو تسليمه الجوهرة الثمينة (بيت المقدس، وجميع المدن التي فتحها صلاح الدين بالساحل الشامي)؛ كل ذلك من أجل مساعدته في حربه ضدَّ أخيه الملك المعظم، ويا له مِن ثمنٍ غالٍ في مقابل كرسي زائل وثمن بخس!
ثم قدَّر الله -تعالى- أن مات الملك المعظَّم عيسى، وبهذا زال سبب الصراع بين الأخوين، وعندما وصل الإمبراطور فريدريك إلى عكا لمساندة الكامل، عَلِم بوفاة الملك المعظم عيسى الذي كان يعمل على التوسُّع على حساب إخوته، وقد انتهى الصراع بين الأخوين بوفاة أحدهما، وقد اقتسم الأخوان الكامل محمد والأشرف موسى ممتلكات أخيهما المعظَّم عيسى، وعادت الأمور في البيت الأيوبي إلى الهدوء والاستقرار، فأرسل فريدريك وفدًا محمَّلًا بالهدايا إلى السلطان الكامل.
وقد طلب الوفد من الكامل الوفاء بما تعهَّد به للإمبراطور، وتسليم بيت المقدس له، وهنا رفض السلطان الكامل هذا الطلب حيث تغيرت الأحوال بوفاة المعظم عيسى، وهنا لجأ الإمبراطور إلى أسلوب التذلل والانكسار، والخضوع والاستعطاف، حيث خاطب فريدريك الكامل بكلمات احتوت على التعظيم، فأثرت تلك الكلمات المزيفة في السلطان الكامل وألهبت مشاعره، ورق قلبه لها، وقد نجح الإمبراطور في خداعه، واتَّفق الفريقان على عقد اتفاقيَّة يافا في ربيع الأول (626هـ - 1229م)، وبمقتضاها تقرَّر الصلح بين الطرفين لمدَّة عشر سنوات، على أن يأخذ الصليبيون بيت المقدس، وبيت لحم، والناصرة، وصيدا، وتبنين، وهونين، ونصَّت المعاهدة على أن تبقى مدينة القدس على ما هي عليه، فلا يُجدِّد سورها، وأن يظل الحرم بما يضمُّه من المسجد الأقصى وقبة الصخرة بأيدي المسلمين، تُقام فيه الشعائر والصلوات، ولا يدخله الصليبيُّون إلا للزيارة فقط، وبعد عقد الصلح توجه فريدريك إلى بيت المقدس، فدخل المدينة المقدَّسة في (19 ربيع الآخر 626هـ /17 من مارس 1229م).
وفي اليوم التالي دخل كنيسة القيامة ليُتوَّج مَلِكًا على بيت المقدس، ويصف المقريزي ما حلَّ بالمسلمين من ألمٍ وغمٍّ بقوله: "فاشتدَّ البكاء وعظم الصراخ والعويل، وحضر الأئمَّة والمؤذِّنون من القدس إلى مخيَّم الكامل، وأذَّنوا على بابه في غير وقت الأذان، واشتدَّ الإنكار على الملك الكامل، وكثرت الشفاعات عليه في سائر الأقطار!".
وهكذا سيطر الصليبيُّون على بيت المقدس بلا حرب ولا سلاح، وقد ذكر صاحب كتاب: "مفرج الكروب في أخبار بني أيوب" ما نصه: "ورأى الملك الكامل أنه إن شاقق الإمبراطور ولم يفِ له بالكلية، أن يفتح له باب محاربة مع الفرنج، ويتسع الخرق ويفوت عليه كل ما خرج بسببه؛ فرأى أن يرضي الفرنج بمدينة القدس خرابًا ويهادنهم مدة، ثم هو قادر على انتزاع ذلك منهم متى شاء".
وظلَّ بيت المقدس أسيرًا في أيدي الصليبيين حتى استرده الملك الناصر داود ابن أخي الكامل عام 637هـ، ولكنه سَلَّم المدينة مرة أخرى عام 641هـ!
وتشير بعض المصادر التاريخية أنه شاركه في التسليم الصالح إسماعيل صاحب دمشق، والملك المنصور صاحب حمص حيث تحالفوا مع الفرنج ضد الصالح أيوب صاحب مصر، وهكذا جاء أقزام من البيت الأيوبي، فتنازعوا وصاروا فِرَقًا وأحزابًا .
ثم نجح الخوارزميُّون في تحريره في عهد السلطان المجاهد الملك الصالح نجم الدين أيوب في شهر صفر (642هـ/ 1244م)، وهكذا التاريخ يتكرر في واقعنا.
ثم جاء عام (656 هـ / 1258م)، وهو عام انهيار الدولة العباسية وسقوطها على يد التتار، وقد احتل التتار بلاد الشام بالكامل، وهنا قيَّض الله -تبارك وتعالى- بيبرس وقطز ودولة المماليك التي استردت مدينة القدس بعد سنتين فقط، وكان ذلك في موقعة عين جالوت عام (658 هـ / 1260م)، وهكذا دخل المسلمون في عين جالوت، وفي غيرها من المعارك، واسترد المسلمون مرة أخرى المدينة المقدسة.