شعار المكتبة الرقمية للدعوة السلفية
دخول ♡ قبسات

معجزات النبي -صلى الله عليه وسلم- (9) (موعظة الأسبوع) معجزاته -صلى الله عليه وسلم- المتعلقة بتكليم الجمادات والبهائم

الشيخ سعيد محمود • خطبة الأسبوع

الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد؛

مقدمة:

- تذكير بما سبق مِن أن الله أجرى على يد أنبيائه ورسله من المعجزات والآيات الدالة على صدقهم؛ لإقامة الحجة على المكذبين، وتثبيتًا لقلوب المتبعين: قال -تعالى-: ( لَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلَنَا بِالْبَيِّنَاتِ ) (الحديد: 25) ، وقال -صلى الله عليه وسلم-: ( مَا مِنَ الْأَنْبِيَاءِ مِنْ نَبِيٍّ إِلَّا قَدِ اُعْطِيَ مِنَ الْآيَاتِ مَا مِثْلُهُ آمَنَ عَلَيْهِ الْبَشَرُ ) (متفق عليه) .

- تمهيد بأن المعجزات شملت ما يدل على تصديق الجمادات والبهائم بنبوته -صلى الله عليه وسلم-، وإن كانت غير مخاطبة بشريعته، فكانت حجة على المكذبين من بني آدم، وتثبيتًا للمتبعين منهم: قال النبي -صلى الله عليه وسلم-: ( إِنَّهُ لَيْسَ شَيْءٌ بَيْنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ، إِلَّا يَعْلَمُ أَنِّي رَسُولُ اللَّهِ، إِلَّا عَاصِيَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ ) (رواه أحمد، وحسنه الألباني) .

أولًا: المعجزات المتعلقة بتكليم البهائم له وإيمانها برسالته:

- الأصل في البهائم أنها لا تعقل ولا تتكلم، فإذا عقلت وتكلمت، كان ذلك خرقًا للعادة، ودليلًا من دلائل النبوة.

(1) الذئب يدعو الناس إلى الإيمان برسالته -صلى الله عليه وسلم-:

- عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ -رضي الله عنه- قَالَ: عَدَا الذِّئْبُ عَلَى شَاةٍ فَأَخَذَهَا، فَطَلَبَهُ الرَّاعِي، فَانْتَزَعَهَا مِنْهُ فَأَقْعَى الذِّئْبُ عَلَى ذَنَبِهِ قَالَ: أَلَا تَتَّقِي اللَّهَ تَنْزِعُ مِنِّي رِزْقًا سَاقَهُ اللَّهُ إِلَيَّ. فَقَالَ: يَا عَجَبِي ذِئْبٌ مُقْعٍ عَلَى ذَنَبِهِ يُكَلِّمُنِي كَلَامَ الْإِنْسِ! فَقَالَ الذِّئْبُ: أَلَا أُخْبِرُكَ بِأَعْجَبَ مِنْ ذَلِكَ، مُحَمَّدٌ -صلى الله عليه وسلم- بِيَثْرِبَ، يُخْبِرُ النَّاسَ بِأَنْبَاءِ مَا قَدْ سَبَقَ، قَالَ: فَأَقْبَلَ الرَّاعِي يَسُوقُ غَنَمَهُ حَتَّى دَخَلَ الْمَدِينَةَ، فَزَوَاهَا إلى زَاوِيَةٍ مِنْ زَوَايَاهَا، ثُمَّ أَتَى رَسُولَ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم-، فَأَخْبَرَهُ فَأَمَرَ رَسُولُ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم- فَنُودِيَ: "الصَّلَاةُ جَامِعَةٌ"، ثُمَّ خَرَجَ فَقَالَ لِلرَّاعِي: ( أَخْبِرْهُمْ ) فَأَخْبَرَهُمْ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم-: ( صَدَقَ وَالَّذِي نَفْسِي، بِيَدِهِ لَا تَقُومُ السَّاعَةُ حَتَّى يُكَلِّمَ السِّبَاعُ الْإِنْسَ، وَيُكَلِّمَ الرَّجُلَ عَذَبَةُ سَوْطِهِ، وَشِرَاكُ نَعْلِهِ، وَيُخْبِرَهُ فَخِذُهُ بِمَا أَحْدَثَ أَهْلُهُ بَعْدَهُ ) (رواه أحمد، وصححه الألباني) .

(2) الجمل يسجد للنبي -صلى الله عليه وسلم- تصديقًا وتوقيرًا:

- عن ابن عباس -رضي الله عنهما-: أنَّ رجلًا من الأنصارِ كان لهُ فحلانِ (ذكران من الإبل) فاغْتَلَمَا (هاجا) فأدخلهُمَا بستانًا، فسدَّ عليهما البابَ، ثم جاءَ إلى النبيِّ -صلى الله عليه وسلم-، فأرادَ أن يدعوَ لهُ، والنبيُّ -صلى الله عليه وسلم- قاعدٌ ومعهُ نفرٌ من الأنصار، فقال: يا نبيَّ اللهِ! إني جئتُ في حاجةٍ، وإنَّ فحلَيْنِ لي اغْتَلَمَا، فأدخلتُهُمَا بستانًا، وسددتُ الباب عليهما، فأُحِبُّ أن تدعوَ لي: أن يُسَخِّرَهُمَا الله لي، فقال لأصحابه: ( قُومُوا مَعَنَا ) فذهب حتى أَتَى البابَ، فقال: ( افْتَحْ ) ففتح البابَ، فإذا أحد الفَحْلَيْنِ قريبٌ من البابِ، فلمَّا رأى النبيَّ -صلى الله عليه وسلم- سجدَ له، فقال النبيُّ -صلى الله عليه وسلم-: ( ائْتِنِي بِشَيْءٍ أَشَدُّ بِهِ رَأْسَهُ، وأُمْكِنُكَ مِنْهُ ) فجاء بخطامٍ فشدَّ بهِ رأسَه، وأَمْكَنَهُ منهُ، ثم مشيا إلى أقصى البستان إلى الفحلِ الآخرِ، فلمَّا رآهُ، وقعَ لهُ ساجدًا، فقال للرجل: ( ائْتِنِي بِشَيْءٍ أَشَدُّ بِهِ رَأْسَهُ ) فشدَّ رأسَهُ، وأَمْكَنَهُ منه، وقال: ( اذْهَبْ فَإِنَّهُمَا لَا يَعْصِيانِكَ ) فلمَّا رأى أصحابُ النبيِّ -صلى الله عليه وسلم- ذلك، قالوا: يا رسول الله! هذان فحلان لا يَعقلان، سَجَدَا لكَ، أفلا نَسجُدُ لكَ؟ قال: ( لَا آمُرُ أَحَدًا أَنْ يَسْجُدَ لِأَحَدٍ، وَلَوْ أَمَرْتُ أَحَدًا يَسْجُدُ لِأَحَدٍ لَأَمَرْتُ الْمَرْأَةَ أَنْ تَسْجُدَ لِزَوْجِهَا ) (رواه الطبراني وقال الألباني إسناده جيد) .

(3) الشاةِ المصلية تخبر النبي -صلى الله عليه وسلم- بمكر اليهود:

- اليهود أهل غدر وخيانة، ولما حاولوا قتل النبي -صلى الله عليه وسلم- بعد إحسانه اليهم، أنطق الله له الشاة المشوية، ولاء وموالاة له -صلى الله عليه وسلم- تخبره بخيانتهم: فعن أبي هريرة -رضي الله عنه-، قال: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- يَقْبَلُ الْهَدِيَّةَ وَلَا يَأْكُلُ الصَّدَقَةَ، فَأَهْدَتْ لَهُ يَهُودِيَّةٌ بِخَيْبَرَ شَاةً مَصْلِيَّةً سَمَّتْهَا فَأَكَلَ رَسُولُ اللَّهِ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- مِنْهَا وَأَكَلَ الْقَوْمُ، فَقَالَ: ( ارْفَعُوا أَيْدِيَكُمْ، فَإِنَّهَا أَخْبَرَتْنِي أَنَّهَا مَسْمُومَةٌ )، فَمَاتَ بِشْرُ بْنُ الْبَرَاءِ بْنِ مَعْرُورٍ الْأَنْصَارِيُّ فَأَرْسَلَ إِلَى الْيَهُودِيَّةِ: ( مَا حَمَلَكِ عَلَى الَّذِي صَنَعْتِ؟ ) قَالَتْ: إِنْ كُنْتَ نَبِيًّا لَمْ يَضُرَّكَ الَّذِي صَنَعْتُ، وَإِنْ كُنْتَ مَلِكًا أَرَحْتُ النَّاسَ مِنْكَ، فَأَمَرَ بِهَا رَسُولُ اللَّهِ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- فَقُتِلَتْ، ثُمَّ قَالَ: فِي وَجَعِهِ الَّذِي مَاتَ فِيهِ: ( مَازِلْتُ أَجِدُ مِنَ الْأَكْلَةِ الَّتِي أَكَلْتُ بِخَيْبَرَ فَهَذَا أَوَانُ قَطَعَتْ أَبْهَرِي ) (1) (رواه داود، وقال الألباني: "حسن صحيح") .

ثانيًا: المعجزات المتعلقة بالجمادات:

- الأصل في البهائم أنها لا تعقل ولا تتكلم كما سبق، وإن كانت فيها حياة، وأما الجمادات فإنها لا تعقل ولا تتكلم، ولا حياة فيها، فإذا تكلمت وعقلت وعبَّرت عن الإيمان برسول الله -صلى الله عليه وسلم-؛ فهذا أعجب وأشد وأعظم في الدلالة على النبوة.

(1) الشجرة تشهد بالرسالة والنبوة وتظهر المحبة والتوقير:

الصفحة التالية