شعار المكتبة الرقمية للدعوة السلفية
دخول ♡ قبسات

الدين الإبراهيمي بين الحقيقة والضلال (21)

الشيخ ياسر برهامي • المنهج السلفي

قصة بناء الكعبة (19)

الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد؛

الفائدة الحادية عشرة:

قول ابن عباس -رضي الله عنهما- في الحديث : "قال النبيُّ -صلى اللهُ عليه وسلم-: ( يَرْحَمُ اللَّهُ أُمَّ إِسْماعِيلَ، لو تَرَكَتْ زَمْزَمَ -أَوْ قالَ: لو لَمْ تَغْرِفْ مِنَ الماءِ- لَكانَتْ زَمْزَمُ عَيْنًا مَعِيْنًا ).

قال ابن الجوزي: "كان ظهور زمزم نعمة من الله محضة بغير عمل عامل، فلما خالطها تحويط هاجر داخلها كسب البشر؛ فقُصِرَت على ذلك".

فسبحان الله! كم كان أثر التوكل والافتقار إلى الله وحده عظيمًا! فحدثت النعمة الواسعة، وكم كان كسب البشر وحرصهم وقلقهم على المستقبل وتفكيرهم في الأسباب سببًا لِقَصْرِ النعمة على ما ظنوه وأرادوه!

وفي الرواية: "فَجَعَلَتْ تُحَوِّضُهُ" أي: تجعله مثل الحوض، وفي رواية: "تَحْفُر"، وفي حديث علي: "فَجَعَلَتْ تَحْبِسُ الماءَ، فَقَال: دَعِيْهِ، فَإِنَّهُ رُوَاء"، وفي هذا الحديث: ( لَوْ لَمْ تَغْرِفْ مِنَ زَمْزَم )؛ هذا كله دليل على أن حرصها وادخارها الماء في السقاء، وتحويطها في الحوض قلَّل مِن فوران الماء، ولو لم تفعل لكانت زمزم عينًا ظاهرة جارية على وجه الأرض، لا تحتاج إلى سقي بالدلاء والآلات.

فسبحان الله! كان يمكن أن تكون زمزم نهرًا جاريًا لولا الحرص.

هل أكل آدم من الشجرة إلا من أجل الحرص على الخلود والبقاء، قال الله -تعالى-: ( فَوَسْوَسَ إِلَيْهِ الشَّيْطَانُ قَالَ يَا آدَمُ هَلْ أَدُلُّكَ عَلَى شَجَرَةِ الْخُلْدِ وَمُلْكٍ لَّا يَبْلَى ) (طه:120) ، وفي الآية الأخرى قال -سبحانه-: ( وَقَالَ مَا نَهَاكُمَا رَبُّكُمَا عَنْ هَذِهِ الشَّجَرَةِ إِلَّا أَن تَكُونَا مَلَكَيْنِ أَوْ تَكُونَا مِنَ الْخَالِدِينَ ) (الأعراف:20) .

وفي الحديث الصحيح قال الله -عز وجل- للنبي -صلى الله عليه وسلم-: ( أَنْفِقْ أُنْفِقْ عَلَيْكَ ) (متفق عليه) ، وفي الحديث الآخر: ( أَنْفِقْ بِلَالًا، ولا تَخْشَ مِن ذِي العَرْشِ إِقْلَالًا ) (أخرجه البزار في مسنده، وصححه الألباني) ، وفي حديث عائشة -رضي الله عنها- في الصحيح: "لقَدْ تُوُفِّيَ النبيُّ -صلى الله عليه وسلم- وما في رَفِّي مِن شيءٍ يَأْكُلُهُ ذُو كَبِدٍ، إلّا شَطْرُ شَعِيرٍ في رَفٍّ لِي، فأكَلْتُ منه، حتّى طالَ عَلَيَّ، فَكِلْتُهُ فَفَنِيَ" (متفق عليه) .

الفائدة الثانية عشرة:

قوله في الحديث: "فَقالَ لَهَا المَلَكُ: لا تَخَافُوا الضَّيْعَةَ؛ فإنَّ هَاهُنَا بَيْتَ اللَّهِ، يَبْنِي هذا الغُلَامُ وأَبُوهُ، وإنَّ اللَّهَ لا يُضِيعُ أَهْلَهُ": فيه أن الله لا يضيع مَن أطاعه وسعى إلى تعبيد الناس لربهم، فطاعة الله لا تأتي إلا بالخير، ومعصية الله لا تأتي إلا بالشر، والله خير حافظًا وهو أرحم الراحمين، فيا عباد الله المؤمنين، ويا أيها الدعاة، لا تخافوا الضيعة من طاعتكم لله ودعوتكم الناس إلى عبادة الله، فمهما ضاقت عليكم السبل، ومهما انفردتم في طريقكم واغتربتم في الناس، وابتعد الناس عنكم فاعلموا أن الله لا يضيعكم، ويا مَن تُعَمِّرون بيوت الله أبشروا، فإن الله لا يضيع مَن عمَّر بيوته وإن سعى مَن سعى مِن الناس إلى تضيعيهم فلن يضيعوا.

الفائدة الثالثة عشرة:

قوله في الحديث: "وكانَ البَيْتُ مُرْتَفِعًا مِنَ الأرْضِ كَالرَّابِيَةِ، تَأْتِيهِ السُّيُولُ، فَتَأْخُذُ عن يَمِينِهِ وشِمَالِهِ، فَكَانَتْ كَذلكَ حتَّى مَرَّتْ بهِمْ رُفْقَةٌ مِن جُرْهُمَ -أَوْ أَهْلُ بَيْتٍ مِن جُرْهُمَ- مُقْبِلِينَ مِن طَرِيقِ كَدَاءٍ، فَنَزَلُوا في أَسْفَلِ مَكَّةَ، فَرَأَوْا طَائِرًا عَائِفًا، فَقالوا: إنَّ هذا الطَّائِرَ لَيَدُورُ علَى مَاءٍ، لَعَهْدُنَا بهذا الوَادِي وما فيه مَاءٌ، فأرْسَلُوا جَرِيًّا أَوْ جَرِيَّيْنِ فَإِذَا هُمْ بالمَاءِ، فَرَجَعُوا فأخْبَرُوهُمْ بالمَاءِ، فأقْبَلُوا، قالَ: وأُمُّ إسْمَاعِيلَ عِنْدَ المَاءِ، فَقالوا: أَتَأْذَنِينَ لَنَا أَنْ نَنْزِلَ عِنْدَكِ؟ فَقالَتْ: نَعَمْ، ولَكِنْ لا حَقَّ لَكُمْ في المَاءِ، قالوا: نَعَمْ. قالَ ابنُ عَبَّاسٍ: قالَ النَّبيُّ -صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ-: ( فألْفَى ذلكَ أُمَّ إسْمَاعِيلَ وهي تُحِبُّ الإنْسَ، فَنَزَلُوا وأَرْسَلُوا إلى أَهْلِيهِمْ فَنَزَلُوا معهُمْ، حتَّى إذَا كانَ بهَا أَهْلُ أَبْيَاتٍ منهمْ )".

في هذا الجزء من الحديث تدبير الله لأم إسماعيل وولدها؛ بل لأهل الإسلام عبر الزمان، وتيسير مرور الرفقة من جُرهم لبداية تكوين البلدة مكة المكرمة وتعميرها؛ بأن سخَّر الله -سبحانه وتعالى- الطيور التي تحوم حول الماء، وسخَّر -سبحانه- مرور طائفة من العرب الرُّحَّل في ذات المكان وذات التوقيت، وهم من قوم من أحسن الناس خُلُقًا، وأكرمهم سجية، فاستأذنوا على أم إسماعيل ولم يغلبوها على الماء؛ رغم أنها قالت: لا حق لكم في الماء، وهي امرأة ضعيفة وحيدة غريبة، لا أحد معها من أهلها، ومع ذلك فقبلوا ذلك بكل يسر وسهولة، ولم يعتدوا عليها كالجبابرة الذين يأخذون من الناس حقوقهم ويستعبدونهم لمجرد أنهم أقوى منهم، فسبحان الله! كم كان في الأرض في ذلك الوقت وقبلها وبعدها جماعات من الناس جبارين؛ كمسلك قوم عاد الذين قال لهم هود -عليه السلام-: ( وَإِذَا بَطَشْتُم بَطَشْتُمْ جَبَّارِينَ ) (الشعراء:130) ، وكالملك الجبار في مصر الذي أراد أخذ سارة من إبراهيم؛ فحفظها الله وكفَّ يده وأخدمها هاجر.

فقد كان من الممكن أن يمر بهاجر -وهي وحدها، وطفلها رضيع- قوم جبارون أو قوم قساة؛ خصوصًا أن الطبيعة الصحراوية تجعل القسوة غالبة على القبائل التي تعيش فيها، ومع ذلك فقد استجاب الله دعوة إبراهيم، ومِن تمام هذه الدعوة بجعل الأفئدة تهوي إليهم أن جاء هؤلاء القوم الصالحون، الذين أحبوا إسماعيل وقدَّروا أمه وعظموها، واستجابوا بعد ذلك لدعوة إسماعيل -عليه السلام- كما سيأتي في الحديث، وبقيت عشرة قرون منهم على التوحيد قبل أن يحدث الشرك.

الصفحة التالية