شعار المكتبة الرقمية للدعوة السلفية
دخول ♡ قبسات

الدين الإبراهيمي بين الحقيقة والضلال (21)

الشيخ ياسر برهامي • المنهج السلفي

وفي قول النبي -صلى الله عليه وسلم- عن أم إسماعيل: ( فألْفَى ذلكَ أُمَّ إسْمَاعِيلَ وهي تُحِبُّ الإنْسَ ) تأكيد وتصريح بطبيعة هاجر -رضي الله عنها- من حبها الأنس بالناس وكراهية الوحدة والانفراد، كما قالت لإبراهيم حين تركها في مكة أول ما أتى: "إِلَى مَن تَتْرُكُنَا في هَذَا الوَادِي الذي لَيْسَ بِهِ أَنِيسٌ ولا شَيءٌ؟!"، فهي بحثت أولًا عن الأنس، ثم ذكرت الأشياء التي تفتقدها في هذا المكان، فلما رزقها الله -عز وجل- زمزم طعام طعم وشراب سقم، بقيت الوحشة والغربة، فرزقها الله -عز وجل- هذه الرفقة الطيبة التي كانت علاجًا لوحشتها، وكانت سدادًا لفقرها إلى الأنيس، قال النبي -صلى الله عليه وسلم-: "وهي تُحِبُّ الإنْسَ"، وكأنها طبيعة لعامة المصريين يحبون الأنس والاجتماع والصحبة، ويكرهون الانفراد والخلوة.

وفي رفع هذا الجزء من الحديث والذي قبله مِن قول النبي -صلى الله عليه وسلم-: ( يَرْحَمُ اللَّهُ أُمَّ إسْمَاعِيلَ، لو تَرَكَتْ زَمْزَمَ لَكَانَتْ عَيْنًا مَعِينًا ) دليل على رفع الحديث كله؛ فإنه لا يُقَال مِن قِبَل الرأي، ولا هو مِن أخبار بني إسرائيل، فدلَّ ذلك على أن الحديث كله مرفوع إلى النبي -صلى الله عليه وسلم-.

الفائدة الرابعة عشرة:

قوله في الحديث: "وشَبَّ الغُلَامُ وتَعَلَّمَ العَرَبِيَّةَ منهمْ، وأَنْفَسَهُمْ وأَعْجَبَهُمْ حِينَ شَبَّ": قَدَّر الله -سبحانه وتعالى- بقاء هذه الأمة العربية واللغة العربية، وكم كان مِن الشعوب والأمم واللغات في ذلك الزمن البعيد قد بادت! وبعضها لم يكن عنده من أسباب السيادة، ومع ذلك بادوا بعد أن سادوا، أما العرب فلم يكن عندهم من أسباب السيادة والقوة والملك والدولة، ومع ذلك فقدَّر الله بقاءهم وهم باقون -بحمد الله تبارك وتعالى- إلى اليوم، ومنزلتهم في الأمم ببركة نشأة إسماعيل -عليه السلام- فيهم، وهو لم يكن عربيًّا؛ فأبوه إبراهيم -عليه السلام- من أرض كنعان -أو من حوران على ما يذكرون-، وأمه مصرية هاجر -رضي الله عنها-، ولكن كما قالوا: العربية اللسان، وإسماعيل أبو العرب المستعربة؛ لأن العرب العاربة هم الذين كان منهم هذه القبيلة، ولم يبقَ منهم مَن يذكر، وإنما دخلت العرب العاربة في المستعربة في نسل إسماعيل، وإنما بقاء الأمم وبقاء الشعوب واللغات بانتسابهم إلى الأنبياء، وحفاظهم على هذه النسبة الشريفة الكريمة.

ثم كان بعد ذلك ورود القرآن -نعمة الله عز وجل العظمى على البشرية كلها وعلى العرب خصوصًا- باللغة العربية، بلسان عربي مبين؛ أعظم الأسباب على الإطلاق في بقاء هذه الأمة وهذه اللغة العربية.

فاللهم لك الحمد كما تقول، وخير مما نقول، لا نحصي ثناءً عليك، أنت كما أثنيت على نفسك، يدبر الأمر -سبحانه وتعالى- بما يشاء، وكيف يشاء، فاللهم لك الحمد.

الصفحة السابقة