شعار المكتبة الرقمية للدعوة السلفية
دخول ♡ قبسات

نقد الكهنوت الصوفي (1)

الشيخ عبدالمنعم الشحات • قضايا معاصرة

الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد؛

فمِن المُبَشِّرات التي تدلنا على أن الحق أبلج، وأنه ينتشر -بحمد الله- بما له من ‏بهاء، وبما لحجته من سلطان؛ حتى مع حملات التشويه، واستثمار الأخطاء، هي: تلك الوقفة التي وقفها بعض الشباب تجاه ممارسات صوفية لمشايخ، لهم ‏وضعهم ومكانتهم عند مريديهم، ومع هذا؛ فقد وقف هؤلاء الشباب منكرين ‏أي محاولة ولو كانت لطيفة أو مستترة لإيجاد وساطة بينهم وبين ربهم في ‏الدعاء والعبادة!

ومِن هنا جاءت هذه النصيحة النقدية للمدرسة التي تقوم على ثلاثة موارد فكرية لكلِّ جانب مِن ‏جوانب الشخصية الإسلامية، وهي: سنية الفقه على الطريقة المذهبية غالبًا، وعقيدة المتكلمين، وصوفية السلوك كما قال "ابن عاشر" في منظومته:

في عقد الأشعري وفقه مالك وفي طريقـة الجنيـد السالـك

وبالطبع ربما نجد عند غير ابن عاشر الشافعي بدلًا مِن مالك، وربما نجد ‏عند غيرهما الماتريدي بدلًا من الأشعري، وأبا حنيفة بدلًا من مالك.

وأيًّا ما يكن الثلاثة؛ فسنجد دائمًا أن إمامَ الفقه الذي ينتسِبون إليه أحد ‏الأئمة الأربعة، وإذا قارنته بإمام الكلام والتصوف الذي ينتسِبون إليه؛ ‏فستجده أعلم، وقبوله في الأمة أوسع وأشهر؛ فضلًا عن أن الأئمة الأربعة ‏ينتمون للقرون الخيرية -بفضل الله-.

ومِن ثَمَّ فنحن ندعو أرباب هذه المدرسة أن يجعلوا إمامهم في الفقه هو ‏إمامهم في العقيدة والسلوك، أو -على الأقل- أن يرجعوا إلى منهج الإمام الغزالي الذي صاغ ذلك المنهج ‏الثلاثي؛ فإنه لو أدرك زماننا ووجد نفورَ الشباب -بفضل الله- مِن تلك المشارب الصوفية؛ لأفتى ‏المنتسبين إليه أن يتركوا الدعوة إلى مناهجهم الكلامية وتجاربهم الصوفية، ويتركوا ‏العوام لينعموا بيقين السلف كما صرَّح في غير ما كتابٍ مِن كتبه، منها: "المنقذ من الضلال"، ‏والذي صَرَّح فيه بأن علم الكلام لا يثبت شيئًا، وأن غايته أن يرد به على الفلسفة، وأنه ‏بعد خوضه غمار تلك المعارك احتاج إلى اليقين؛ فلم يجده إلا في التجارب الصوفية! مع تأكيده أن لا هذا ولا ذاك هو منهج السلف، وتشديده على نصيحة مَن لم يحتج إلى ‏هذا: أن يثبت على منهج السلف، وتصريحه بأن أسعد الناس بالقرب مِن منهج السلف هم أصحاب الإمام أحمد.

ورحم الله الغزالي، لو أتعب نفسه قليلًا، واستعمل ذكاءه الوقَّاد في بحث كيف وصل ‏السلف إلى هذا اليقين، ربما كان له شأن آخر.

إن الشكوك التي فَرَّ منها الغزالي إلى الصوفية لا تزيدها الصوفية في زماننا إلا اشتعالًا؛ حيث ‏تتربص العالمانية بالشباب لتنفِّرهم مِن الدِّين؛ بزعم أنه يجعلهم عبيدًا لرجال الدِّين، وأنه ‏يسوق الخرافة! وكل هذه التُّهَم تصدق على الصوفية؛ لا سيما في صورتها الطرقية التي ‏استقرتْ عليها منذ القرن السادس الهجري بشكلٍ كبيرٍ.

إن الخلاف الفكري بيننا وبين تلك المدرسة لن يمنعنا أن نحبَّ الخيرَ لهم، وأن نتعاون معهم؛ لا سيما ونحن في خندق الشريعة نعود سويًّا إلى الفقه ‏السُّنِّي، وعلينا أن نوحِّدَ الجهودَ للتصدي للحرب الشعواء ضده.

والمعركة الآن تتمحور حول محاولة تغيير ما تبقَّى مِن ‏الشريعة مطبَّقًا بقوة المجتمع مِن: الأحوال الشخصية، والأخلاق، والآداب العامة، ونرجو ألا يدفع هذا الخلاف رموزَ هذه المدرسة إلى السَّير عكس التيار، ودفع أبناء الأمة ليكونوا لقمة سائغة تفترسها تيارات الإلحاد والعلمنة.

وفي ضوء هذا التوجُّه أرجو: أن يفسِّروا هذه النصيحة، والتي سأجتهد أن أكون فيها ‏موضوعيًّا دائمًا، هادئًا غالبًا؛ إلا في معالجة بعض الانحرافات التي تستحق ‏أن تُوصَف بالألفاظ المنفِّرة المناسِبة.

‏ التجربة في الفكر الصوفي:‏

‏ 1- بدأ الفكر الصوفي بمسافة انحرافٍ يسيرةٍ عن مصدر العلوم الشرعية، ‏قام بها بعض الوعاظ في القرن الثاني الهجري، ‏ومِن ثَمَّ اعتمدوا على الأحاديث الضعيفة، ثم على شيءٍ من الذوق والرأي، و‏التقط الباطنية الخيط؛ فأدخلوا عليهم أنواعًا ‏فاحشة مِن الفساد والانحراف، ثم ‏جاء الغزالي فحارب الباطنية، ولكنه أقرَّ بالتجربة الصوفية كوسيلةٍ ‏لاستجلاب اليقين، ثم ‏جاءت الطرق الصوفية في القرنين: السادس والسابع الهجريين، فتوسعت ‏في هذا الباب توسعًا كبيرًا، فجعلت من هذا الباب بكل ‏وضوح نوعًا مِن تشريع ‏عبادات لم يأذن بها الله، وقد قال -تعالى-: ( الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ ‏الْإِسْلَامَ دِينًا ) (المائدة:3) ، وقال -صلى الله عليه وسلم-: ( مَنْ أَحْدَثَ فِي أَمْرِنَا هَذَا مَا لَيْسَ مِنْهُ فَهُوَ رَدٌّ ) (متفق عليه) .

وقد أنكر الصحابة -رضي الله عنهم- ‏هذا الانحراف، وهو ما زال شيئًا يسيرًا ‏جدًّا، فقال ابن مسعود -رضي الله عنه- لمَن أضافوا هيئة يسيرة في الذكر -بأن ‏وضعوا ‏في أيديهم حصى، وجعلوا لهم إمامًا في الذكر يقول لهم: سبِّحوا مائة فيسبحون، حمِّدوا مائة ‏فيحمدون-: "مَا هَذَا الَّذِي أَرَاكُمْ تَصْنَعُونَ؟ قَالُوا: يَا أَبَا عَبْدِ الرَّحْمَنِ، حصًى نَعُدُّ بِهِ التَّكْبِيرَ وَالتَّهْلِيلَ وَالتَّسْبِيحَ. قَالَ: فَعُدُّوا سَيِّئَاتِكُمْ، فَأَنَا ضَامِنٌ أَنْ لَا يَضِيعَ مِنْ حَسَنَاتِكُمْ شَيْءٌ وَيْحَكُمْ يَا أُمَّةَ مُحَمَّدٍ، مَا أَسْرَعَ هَلَكَتَكُمْ! هَؤُلَاءِ صَحَابَةُ نَبِيِّكُمْ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- مُتَوَافِرُونَ، وَهَذِهِ ثِيَابُهُ لَمْ تَبْلَ، وَآنِيَتُهُ لَمْ تُكْسَرْ، وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ، إِنَّكُمْ لَعَلَى مِلَّةٍ هِيَ أَهْدَى مِنْ مِلَّةِ مُحَمَّدٍ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- أوْ ‌مُفْتَتِحُو ‌بَابِ ‌ضَلَالَةٍ! قَالُوا: وَاللَّهِ يَا أَبَا عَبْدِ الرَّحْمَنِ، مَا أَرَدْنَا إِلَّا الْخَيْرَ. قَالَ: وَكَمْ مِنْ مُرِيدٍ لِلْخَيْرِ لَنْ يُصِيبَهُ" (أخرجه الدارمي في سننه، 1/ 287، وصححه الألباني) .

فكيف لو رأى ابن مسعود -رضي الله عنه- مَن يوصي ‏الناس بقول: "اهمن سقك ‏حلع يصو" على أن يكون (1111 مرة!)، فإن زاد أو نقص ‏فلن يحصل الأثر كما في مقطع فيديو للشيخ "علي جمعة!".‏

الصفحة التالية