شعار المكتبة الرقمية للدعوة السلفية
دخول ♡ قبسات

نقد الكهنوت الصوفي (1)

الشيخ عبدالمنعم الشحات • قضايا معاصرة

والذكر هو: حضور المذكور في قلب الذاكر، والتعبير عن ذلك بلسانه؛ فكيف ‏يمكن أن يكون التعبير بحروفٍ مبعثرة كهذه -وهذا ‏هو أحسن احتمالاتها-؟! وإلا فلن تكون إلا ذكرًا لأسماء شياطين!‏

وعجبًا لمَن ترك العبادات والأذكار النبوية الثابتة عن النبي -صلى الله ‏عليه سلم- على اعتبار أنها رسوم أعاقت قلوبهم عن ‏الانطلاق، فكانت نتيجة ‏تحليق قلوبهم بعيدًا عن الأذكار النبوية أن خَرَّت من السماء في وادي: "اهمن سقك حلع يصو" ‏السحيق! ‏(سنحاول معالجة تاريخ التصوف بشيءٍ مِن البسط في مقالات أخرى -إن شاء الله-‏‏)‏.

التجربة ليست لعموم المكلفين، وإنما هي لمَن ألبس خِرْقة التصوف بالإسناد:‏

وبعد أن اتسعت الفجوة بين المشروع وبين ما تفعله الطُّرُق الصوفية، ‏فجأة تسابقتِ الطرق الصوفية بعد أكثر من خمسة أو ‏ستة قرون لادِّعاء ‏أسانيد تتصل إلى علي -رضي الله عنه- أو إلى غيره مِن الصحابة كأبي بكر ‏الصديق -رضي الله عنه-، ‏وهذه الأسانيد (التي يُطلَب منا أن نصدِّق أنها بقيت طوال هذه القرون ‏سِرِّيَّة) لو افترضت صحتها -وهيهات هيهات!- فلن تشهد ‏مثلًا لعبارة: "اهمن ‏سقك حلع يصو"، وإنما غاية ما يدعيه أصحابها أن الصحابي (سواء كان أبا بكر أو ‏عليًّا -رضي الله عنهما-) أَذِن ‏للحسن البصري -رحمه الله- الذي اتَّفق علماء ‏الرجال -من غير الصوفية- على أنه لم يلقَ لا أبا بكر، ولا عليًّا -رضي الله ‏‏عنهما-.‏

ثم ادَّعى كلُّ شيخ سندًا إلى الحسن البصري -رحمه الله-!

ولا ندري: أي أزمة تلاميذ تلك التي جَعَلَتْ صحابيين جليلين لديهما عِلْم ‏نَافِع للأمة أيما نفع، فيُسِرُّ به كلُّ منهما لرجلٍ واحدٍ مِن صغار التابعين (وفي ‏الواقع هو لم يلقَ أيًّا منهما بإجماع علماء الرجال مِن غير الصوفية)، ثم يستمر هذا التعليم الخفي إلى أن يظهر لنا بعد 600 سنة؟!

المهم، المدعى أنه أُذِن له بالتجربة وألبس الخرقة، ثم أَذِن هو لفلان، وهكذا ‏إلى أن أذن للشاذلي وغيره مِن مشايخ الطرق، ‏وبالطبع فأسانيد هذه الطرق مليئة برجالٍ لم يَسمع عنهم المحدِّثون شيئًا، ولم توزن عدالتهم وضبطهم بموازين رجال الحديث ‏‏(والصحيح أنه لا وجود ‏لهم أصلًا!).‏

والذهبي -رحمه الله- في كتابه: "تاريخ الإسلام" بعد ما ساق السند الذي ادَّعاه الشاذلي إلى عليٍّ -‏رضي الله عنه- قال: "وهذا نَسَبٌ كان ‏الأوْلَى بِهِ ترْكه، وترْك كثير مما قاله في تواليفه من الحقيقة، وهو رَجُل ‏كبير القَدْر، كثير الكلام، عالي المقام. لَهُ شِعر ونثْر ‏فيه مُتشابهات وعبارات، يُتكلَّف لَهُ ‏فِي الاعتذار عَنْهَا".‏

المريد ليس له إلا تجربة شيخه وبعد الاستئذان:‏

ومرة أخرى: يُصدَم مَن دخل التصوف طالبًا للتحرر مِن الرسوم كما أوهموه أن هذا ‏الحق ليس إلا لرجالٍ معدودين استطاعوا ادِّعاء أن ‏معهم تلك الأسانيد، وبما أننا نتكلم عن مريدٍ أعرض عن الأذكار والأوراد النبوية، ولهث وراء ‏تجارب هؤلاء المتكبرين مِن ‏الشيوخ والطُّرقيين؛ فسيكون السؤال المنطقي: ‏هل يمكن للمريد أن يقرأ أو أن يتعلم هذه التجارب؟! ‏

فلو أردتَ الإجابة عن هذا السؤال مستنِدًا إلى قواعد الشرع؛ لوجدتَ أن النبيَّ -صلى الله عليه وسلم- ‏علَّمنا الطريق إلى الله، فمَن تعلمه منه ‏مباشرة، ومَن تعلمه عمَّن تعلمه منه؛ تجدهم ‏كلهم في عبادتهم ودعائهم يتوجهون إلى ربهم -عز وجل- بغير واسطة، كما قال -تعالى-: ‏‏( وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ ‏فَلْيَسْتَجِيبُوا لِي وَلْيُؤْمِنُوا بِي لَعَلَّهُمْ يَرْشُدُونَ ) ( آل عمران: 186) ، فإذا استعملتَ قياس الأَوْلَى؛ فستجزم أن عدم الحاجة إلى الإذن في تجارب ‏البشر مِن باب أولى، وأننا لو سَلَّمنا جدلًا للبدعة التي تَدَّعي ‏الإذن للمكلَّفين أن يجرِّبوا ‏في العبادة، ثم تغاضينا عن كارثة: أن هذا الإذن لفريقٍ دون آخر، ولكن لا يمكن أن ‏تتصور أن يقول ‏قائلٌ: إنه صاحب التجربة وكأنه معه براءة اختراع لهذه العبادة ‏المخترعة! وبالتالي: لا يمكنك الاستفادة منها إلا بهذا الإذن، ‏ولكن دعنا نضع كل ‏الاحتمالات الممكنة للإجابة على سؤال: هل يمكن لأحدٍ أن يتعلم تلك التجربة ويستفيد منها؟! ‏

وهنا أمامك ثلاثة احتمالات:‏

الأول: نعم بالطبع، فلن تكون مقيَّدة بأكثر من العبادات المشروعة بالوحي.‏

الثاني: نعم، ولكن يفضَّل الإذن مِن صاحب التجربة.‏

الثالث: لا يمكن إلا بإذنٍ خاصٍّ.‏

وقد تجد مَن يقول بالإجابة الأولى ليكتفي بكارثة التجربة، ولكن دون الوقوع في كارثة "الاستئذان" المكرِّسة للكهنوت الصوفي.

وقد تجد مَن يقول بالإجابة الثانية.

وقد تجد مَن يقول بالإجابة الثانية ثم يقلبها إلى الثالثة بالتحذير الشديد أنها بلا إذنٍ تكون محدودة الفائدة، بل قد تنقلب ضررًا!

وقد يمثِّل لها بعضهم بالطبيب أو المدرِّب الذي ‏يضع برنامجًا علاجيًّا لكلِّ شخص يتناسَب مع حالته، وهو قياس مع الفارق؛ حيث إن الإذن المطلوب هنا قد يكون عبر وسائط، وليس بناءً على تقييم حاجة الشخص.

وعلى أية حال؛ فأنت لستَ في حاجةٍ إلى مناقشة مَن يجيب بأيٍّ مِن الإجابتين الأوليتين؛ لانك إذا رجعت إلى شيوخ الطريقة فلن ‏تجد إلا الإجابة الثالثة وفقط -كما سترى في الفقرة التالية-.

الغماري يبيِّن لنا أن الذاكر بغير واسطة من الخَلْق كاللقيط أو المنتسِب إلى غير أبيه:‏

قال الغماري في كتابه: "البرهان الجلي في تحقيق انتساب الصوفية إلى ‏علي": "أما بعد، فلا يخفى على ذوي البصائر ‏والعقول: أن الفنون كلها لابد فيها مِن واسطة، ‏ومَن لا واسطة له في فنه لا بركة له فيه، ولو حصل فيه على الغاية القصوى، ‏فبركة ‏الفن وسره وروحه (وجود الواسطة فيه)، فمَن رُزقها رُزِق الفن وبركته، ومَن حرمها ‏حُرِم الفن وبركته، وهو أمر لا ‏يحتاج إلى برهان؛ إذ ليس الخبر كالعيان. ‏

ولما كان التصوف أولاها بذلك وأحقها بما هنالك، وكان مَن لا شيخ له فيه لا يُعبَأُ به ‏ولا يُلتَفَتُ إليه، بل هو عندهم لقيط لا أب ‏له، وسقيط لا طعم فيه!". ‏

الصفحة السابقة الصفحة التالية