شعار المكتبة الرقمية للدعوة السلفية
دخول ♡ قبسات

الفساد (95) أين دور الصناعة في الاقتصاد المصري؟ (7)

الشيخ علاء بكر • قضايا معاصرة

الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد؛

فقد أثار -وما زال- قرار تصفية شركة الحديد والصلب بحلوان الكثير من التساؤلات حول مصير عشرات الشركات الوطنية الأخرى التي ليست لها أهمية شركة الحديد والصلب، فإذا كانت الأهمية الإستراتيجية لشركة الحديد والصلب، وهي صناعة ثقيلة لها تاريخها ودورها في دعم الاقتصاد المصري على مدار تاريخها الذي يمتد لأكثر من نصف قرن لم تشفع لها أمام سلبيات إدارية عبر سنوات قادتها إلى هذه النهاية المأساوية؛ فكيف بغيرها من الشركات التي باتت هي الأخرى تتعرض للخسارة؟!

لم تستفد شركة الحديد والصلب مما لديها من كميات كبيرة من الخردة، ولم تستغل الأراضي التابعة لها والمهملة، كما أن معظم أراضي الشركة هي بقرارات تخصيص، وقسم كبير منها غير مسجل -أي: معرض لأن يضيع بتصفيتها-، وهذا يحتاج -كما يقترح البعض- إلى صدور قرار من رئاسة الوزراء بتمليك شركة الحديد والصلب لجميع الأراضي التابعة لها مقابل تسديد جزء من قيمتها لوزارة المالية حال بيع شيء منها، ونظرًا لأن توفر فحم الكوك لشركة الحديد والصلب مرتبط بما يتم توريده من شركة النصر لصناعة الكوك، والتي قللت من توريدها للفحم؛ بسبب تأثر إمكانياتها الحالية، وأيضًا: لمطالبتها شركة الحديد والصلب تسديد كامل الدَّين الذي عليها أولًا؛ مما ترتب على نقص توريد فحم الكوك لشركة الحديد، مع أنها أنشئت خصيصًا لهذا الأمر، ولكنها اتجهت نحو تصدير الفحم.

وقد تسبب ذلك في أضرار كبيرة للأفران العالية بشركة الحديد التي أنشئت لتعمل بصورة مستمرة بلا توقف؛ مما ساهم في تهالك المعدات إلى جانب الإهمال في التطوير، وفي الوقت الذي يتم فيه السعي لفصل المناجم والمحاجر عن شركة الحديد تمهيدًا لتصفيتها.

ويرى البعض: أن الحل الأمثل هو دمج شركة النصر لفحم الكوك مع شركة الحديد والصلب؛ ليتسنى توفير الحديد الخام وفحم الكوك للشركة بما يقلل مِن خسائر الشركتين معًا، ويذكر لشركة الحديد والصلب أنها تعد قلعة للصناعة الثقيلة في مصر، ورائدة لصناعة الصلب في المنطقة حيث ساهمت في بناء السد العالي، وفي بناء منصات الصواريخ خلال حرب الاستنزاف، وهو الدور الذي لم يكن أن تقوم بها شركات القطاع الخاص.

كما قامت بعمل جميع فلنكات مترو الأنفاق، وتصنيع جميع أعمدة كهرباء الريف، حيث إن وزارة الكهرباء لم تتعاقد في هذا الأمر إلا مع شركة الحديد والصلب، كما أنها تمتلك وحدات أكسجين بدرجة نقاوة 98 % مدت بها مستشفيات وزارة الصحة بالأكسجين خلال أزمة كورونا، فساهمت بذلك في إنقاذ وزارة الصحة في أزمتها.

ويذكر للشركة: أنها أيضًا لم تتأثر مدخلات الإنتاج الخاصة بها خلال إغلاق أزمة كورونا حيث إن موادها الخام كلها محلية، وهذه الميزة تجعلها قادرة على النهوض والنجاح مرة أخرى.

ويذكر للشركة أيضًا: أنها أسهمت في قيام مصانع عديدة في منطقة التبين وحلوان، وإيجاد صناعات مغذية للصناعات المعدنية، وقبل هذا وبعده؛ فإن الشركة تمتلك عمالة صناعية مدربة ينبغي المحافظة عليها، وتوفير مظلة الحماية لها بدلًا مِن تسريحهم و تحويلهم إلى عمالة غير منتظمة (للاستزادة انظر في ذلك: ندوة لجريدة الأهالي بتاريخ: 3 فبراير 2021م، ص 5) .

ولا يخفى أن قرار تعويم الجنيه المصري قد أثر أيضًا سلبيًّا على صناعة الصلب في مصر؛ حيث أدَّى إلى زيادة نفقات التشغيل للمصانع نتيجة لارتفاع سعر الدولار، فضلًا على المنافسة غير العادلة مع الحديد المستورد في ظل إغراق السوق بالحديد المستورد من تركيا وأوكرانيا والصين بأسعار تقل عن تكلفة إنتاجه عندنا، وهو ما تسبب في تفاقم مديونيات الشركة.

الإصلاح الاقتصادي قبل الإصلاح المالي:

إن أخطر ما جاء في تعديلات قانون قطاع الأعمال هو: مادة إتاحة تصفية الشركات التي تتعرض للخسارة، وهو التعديل الذي حَذَّرت منه النقابات المعنية باتحاد العمال، والذي يمكن أن يتسبب في تصفية حوالي 50 شركة تابعة لوزارة قطاع الأعمال تتعرض للخسارة، وبالتالي: زيادة معدلات البطالة والإضرار بالصناعية التي هي المعيار الذي يقاس به تقدم الدول، وهو التعديل الذي سارعت وزارة قطاع في الأخذ به حتى قبل صدور لائحته التنفيذية!

إن كلًّا مِن: وزارة قطاع الأعمال، والجهاز المركزي للمحاسبات، يتعاملان مع الشركات التابعة لقطاع الأعمال بمنطق البورصة أكثر من التعامل بمنطق رجال الأعمال المحترفين الذين لا يلجئون عادة للتصفية، بل ولا يتهاونون في مشاريعهم الاقتصادية لتصل إلى حد الخسارة؛ فالأولى إعادة هيكلة الإدارات السيئة بغيرها من الكفاءات الإدارية ولو بمشاركة خبرات أجنبية متخصصة قادرة على وضع الحلول المناسبة مع مراعاة الأبعاد الاجتماعية لهذه المشكلة.

قال الأستاذ أحمد فرغل -النائب بالبرلمان، ووكيل اللجنة الاقتصادية بمجلس النواب- في حوار له مع جريدة (فيتو): (للأسف الحكومة لم تقم بالإصلاح الاقتصادي، وإنما قامت بإصلاح مالي؛ للعمل على سد العجز في الموازنة العامة للدولة، وذلك من خلال خطتها لتخفيض قيمة الدعم على الطاقة والمواد البترولية، وزيادة الضرائب والرسوم بداية من عام 2016. وبالتالي أرى تلك الإصلاحات هي إصلاحات مالية، وليست إصلاحات اقتصادية).

وأضاف: (الإصلاح الاقتصادي يعني إنشاء وتشغيل مصانع، وتطوير شركات، وزيادة إنتاج في مختلف المجالات والقطاعات. وهنا أسأل: توجد كم شركة اشتغلت وتم فتح كام مصنع، واشتغل كم واحد فيها، وما حجم الزيادة في الإنتاج في شتى القطاعات؟ هذا هو الإصلاح الاقتصادي).

الصفحة التالية