معجزات النبي -صلى الله عليه وسلم- (11) (موعظة الأسبوع) معجزاته -صلى الله عليه وسلم- المتعلقة باستجابة دعائه
الشيخ سعيد محمود • خطبة الأسبوع
الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد؛
مقدمة:
- مما أيَّد الله به نبيه -صلى الله عليه وسلم- في مواجهة المكذبين، وتثبيت المتبعين: استجابة دعائه فور سؤاله -صلى الله عليه وسلم-: فما أن يرفع النبي -صلى الله عليه وسلم- يديه داعيًا ربه ومولاه، إلا استجاب الله لطلبه ولباه، وهذا من أعظم الأدلة على صدق دعواه، وصحه مسلكه وهداه: قال الله -تعالى-: ( إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي مَنْ هُوَ كَاذِبٌ كَفَّارٌ ) (الزمر: 3) ، وقال: ( قُلْ إِنَّ الَّذِينَ يَفْتَرُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ لَا يُفْلِحُونَ ) (يونس: 69) .
،وقال ابن القيم -رحمه الله-: "ومعلوم أن مَن عوَّده الله إجابة دعائه، لا يكون إلا مع صلاحه ودينه" (الجواب الصحيح، 6/297) .
- والدعاء من أجل العبادات التي يحبها الله: قال النبي -صلى الله عليه وسلم-: ( ليسَ شيءٌ أَكْرَمَ على اللَّهِ -تعالى- منَ الدُّعاءِ ) (رواه الترمذي، وحسنه الألباني) .
- واستجابة الدعاء في حق عموم المؤمنين على مراتب ثلاث: قال النبي -صلى الله عليه وسلم-: ( مَا عَلَى الأَرْضِ مُسْلِمٌ يَدْعُو اللَّهَ بِدَعْوَةٍ إِلَّا آتَاهُ اللَّهُ إِيَّاهَا أَوْ صَرَفَ عَنْهُ مِنَ السُّوءِ مِثْلَهَا مَا لَمْ يَدْعُ بِإِثْمٍ أَوْ قَطِيعَةِ رَحِمٍ )، فَقَالَ رَجُلٌ مِنَ القَوْمِ: إِذًا نُكْثِرُ، قَالَ: ( اللَّهُ أَكْثَرُ ) (رواه أحمد والترمذي، وصححه الألباني) .
- وأما في حقِّ النبي -صلى الله عليه وسلم- فإن الله يستجيب دعاءه، ويعجِّل له الإجابة، وقد وقعت هذه الآية البيِّنة له في مواطن كثيرة، كل منها دليل من دلائل نبوته وصدق دعوته.
(1) استجابة دعوته -صلى الله عليه وسلم- لأمته بعدم إهلاكها بعذاب عام:
- كانت الأمم السابقة إذا كَذَّبوا أنبياءهم، عاقبهم الله وأنزل بهم العذاب العام، ولكن منعه الله عن أمة النبي -صلى الله عليه وسلم- استجابة لدعوته -صلى الله عليه وسلم-، وإن فعلت ما فعلت، فالأمة الإسلامية باقية لا تزول ولا تبيد إلى يوم القيامة، وإن أصابها ما أصابها: ففي الحديث الطويل، قال النبي -صلى الله عليه وسلم-: ( وإنِّي سَأَلْتُ رَبِّي لِأُمَّتي أنْ لا يُهْلِكَها بسَنَةٍ عامَّةٍ، وأَنْ لا يُسَلِّطَ عليهم عَدُوًّا مِن سِوَى أنْفُسِهِمْ، فَيَسْتَبِيحَ بَيْضَتَهُمْ، وإنَّ رَبِّي قالَ: يا مُحَمَّدُ إنِّي إذا قَضَيْتُ قَضاءً فإنَّه لا يُرَدُّ، وإنِّي أعْطَيْتُكَ لِأُمَّتِكَ أنْ لا أُهْلِكَهُمْ بسَنَةٍ عامَّةٍ، وأَنْ لا أُسَلِّطَ عليهم عَدُوًّا مِن سِوَى أنْفُسِهِمْ، يَسْتَبِيحُ بَيْضَتَهُمْ، ولَوِ اجْتَمع عليهم مَن بأَقْطارِها، أوْ قالَ مَن بيْنَ أقْطارِها، حتَّى يَكونَ بَعْضُهُمْ يُهْلِكُ بَعْضًا، ويَسْبِي بَعْضُهُمْ بَعْضًا ) (رواه مسلم) ، وقال -صلى الله عليه وسلم-: ( لا تَزالُ طائِفَةٌ مِن أُمَّتي ظاهِرِينَ علَى الحَقِّ، لا يَضُرُّهُمْ مَن خَذَلَهُمْ، حتَّى يَأْتِيَ أمْرُ اللهِ وهُمْ كَذلكَ ) (رواه مسلم) .
(2) استجابة دعائه -صلى الله عليه وسلم- في نزول المطر ومنعه:
- عادة المطر إذا نزل أن يسبقه غيوم وسحب ورياح، والعكس إذا امتنع، وأما إذا انعكست سنته بدعوة النبي -صلى الله عليه وسلم-؛ فهذا خارج عن عادة الكون، وهو دليل من دلائل نبوته -صلى الله عليه وسلم-: عن أنس بن مالك -رضي الله عنه- قال: "أَصَابَتِ النَّاسَ سَنَةٌ علَى عَهْدِ رَسولِ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم-، فَبيْنَا رَسولُ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم- يَخْطُبُ علَى المِنْبَرِ يَومَ الجُمُعَةِ قَامَ أعْرَابِيٌّ، فَقالَ: يا رَسولَ اللَّهِ، هَلَكَ المَالُ، وجَاعَ العِيَالُ، فَادْعُ اللَّهَ لَنَا أنْ يَسْقِيَنَا، قالَ: فَرَفَعَ رَسولُ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم- يَدَيْهِ وما في السَّمَاءِ قَزَعَةٌ، قالَ: فَثَارَ سَحَابٌ أمْثَالُ الجِبَالِ، ثُمَّ لَمْ يَنْزِلْ عن مِنْبَرِهِ حتَّى رَأَيْتُ المَطَرَ يَتَحَادَرُ علَى لِحْيَتِهِ، قالَ: فَمُطِرْنَا يَومَنَا ذلكَ، وفي الغَدِ، ومِنْ بَعْدِ الغَدِ، والذي يَلِيهِ إلى الجُمُعَةِ الأُخْرَى، فَقَامَ ذلكَ الأعْرَابِيُّ -أوْ رَجُلٌ غَيْرُهُ- فَقالَ: يا رَسولَ اللَّهِ، تَهَدَّمَ البِنَاءُ وغَرِقَ المَالُ، فَادْعُ اللَّهَ لَنَا، فَرَفَعَ رَسولُ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم- يَدَيْهِ، وقالَ: ( اللَّهُمَّ حَوَالَيْنَا، ولَا عَلَيْنَا )، قالَ: فَما جَعَلَ رَسولُ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم- يُشِيرُ بيَدِهِ إلى نَاحِيَةٍ مِنَ السَّمَاءِ إلَّا تَفَرَّجَتْ، حتَّى صَارَتِ المَدِينَةُ في مِثْلِ الجَوْبَةِ (1) حتَّى سَالَ الوَادِي -وادِي قَنَاةَ- شَهْرًا، قالَ: فَلَمْ يَجِئْ أحَدٌ مِن نَاحِيَةٍ إلَّا حَدَّثَ بالجَوْدِ" (متفق عليه) .
قال النووي في شرح مسلم: "فيه المعجزة الظاهرة لرسول الله -صلى الله عليه وسلم- في إجابة دعائه متصلًا به، حتى خرجوا في الشمس".
(3) استجابة دعائه -صلى الله عليه وسلم- بزلزلة الأحزاب يوم الخندق:
- كان يوم الأحزاب عسيرًا على المسلمين كما وصف الله -تعالى- (2) : ( إِذْ جَاءُوكُم مِّن فَوْقِكُمْ وَمِنْ أَسْفَلَ مِنكُمْ وَإِذْ زَاغَتِ الْأَبْصَارُ وَبَلَغَتِ الْقُلُوبُ الْحَنَاجِرَ وَتَظُنُّونَ بِاللَّهِ الظُّنُونَا . هُنَالِكَ ابْتُلِيَ الْمُؤْمِنُونَ وَزُلْزِلُوا زِلْزَالًا شَدِيدًا ) (الأحزاب: 10-11) . وعن أبي سعيد الخدري عن أبيه قال: "قُلْنا يومَ الخَنْدَقِ: يا رسولَ اللهِ، هل مِن شيءٍ نقولُ، قد بلَغَتِ القلوبُ الحناجِرَ. قال: نَعَمْ، اللهمَّ استُرْ عَوْراتِنا، وآمِنْ رَوْعاتِنا" (أخرجه أحمد في مسنده) .
- وهنا قام النبي -صلى الله عليه وسلم- يدعو ربه ويتضرع له: عن عبد الله بن أبي أوفى قال: دَعا رسولُ الله -صلى الله عليه وسلم- على الأحزابِ، فَقالَ: ( اللَّهُمَّ مُنْزِلَ الكتابِ، سَريعَ الحسابِ، اهْزمِ الأَحزَابَ، اللَّهُمَ اهزِمْهُمْ وزَلْزلهُمْ ) (متفق عليه) .