معجزات النبي -صلى الله عليه وسلم- (11) (موعظة الأسبوع) معجزاته -صلى الله عليه وسلم- المتعلقة باستجابة دعائه
الشيخ سعيد محمود • خطبة الأسبوع
- فاستجاب الله دعاءه -صلى الله عليه وسلم-، وتغيَّرت الأحوال، وتبدَّلت إلى خير حالٍ للمسلمين، ونزلت الهزيمة، فأرسل عليهم الريح والملائكة تزلزل قلوبهم، وتقلع خيامهم، وتكفئ قدورهم، وتطفئ نارهم، ففروا هاربين، وتركوا من متاعهم ما تركوا غنيمة للمسلمين من غير حربٍ ولا قتالٍ: قال الله -تعالى-: ( يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ جَاءَتْكُمْ جُنُودٌ فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ رِيحًا وَجُنُودًا لَمْ تَرَوْهَا وَكَانَ اللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرًا ) (الأحزاب: 9) ، وقال: ( وَرَدَّ اللَّهُ الَّذِينَ كَفَرُوا بِغَيْظِهِمْ لَمْ يَنَالُوا خَيْرًا وَكَفَى اللَّهُ الْمُؤْمِنِينَ الْقِتَالَ وَكَانَ اللَّهُ قَوِيًّا عَزِيزًا ) (الأحزاب: 25) .
(4) استجابة دعائه ببركة الذرية لأبي طلحة وأم سليم:
- بدعائه -صلى الله عليه وسلم- لهما بالبركة، رُزِقوا تسعة من حفظة القرآن: عن أنس -رضي الله عنه- قال: مَاتَ ابْنٌ لأَبِي طَلْحَةَ، مِن أُمِّ سُلَيْمٍ، فَقالَتْ لأَهْلِهَا: لا تُحَدِّثُوا أَبَا طَلْحَةَ بابْنِهِ حتَّى أَكُونَ أَنَا أُحَدِّثُهُ قالَ: فَجَاءَ فَقَرَّبَتْ إليه عَشَاءً، فأكَلَ وَشَرِبَ، فَقالَ: ثُمَّ تَصَنَّعَتْ له أَحْسَنَ ما كانَ تَصَنَّعُ قَبْلَ ذلكَ، فَوَقَعَ بهَا، فَلَمَّا رَأَتْ أنَّهُ قدْ شَبِعَ وَأَصَابَ منها، قالَتْ: يا أَبَا طَلْحَةَ أَرَأَيْتَ لو أنَّ قَوْمًا أَعَارُوا عَارِيَتَهُمْ أَهْلَ بَيْتٍ، فَطَلَبُوا عَارِيَتَهُمْ، أَلَهُمْ أَنْ يَمْنَعُوهُمْ؟ قالَ: لَا، قالَتْ: فَاحْتَسِبِ ابْنَكَ، قالَ: فَغَضِبَ، وَقالَ: تَرَكْتِنِي حتَّى تَلَطَّخْتُ، ثُمَّ أَخْبَرْتِنِي بابْنِي، فَانْطَلَقَ حتَّى أَتَى رَسولَ اللهِ -صلى الله عليه وسلم-، فأخْبَرَهُ بما كَانَ، فَقالَ رَسولُ اللهِ -صلى الله عليه وسلم-: ( لَعَلَّ اللَّهَ أَنْ يُبَارِكَ لَكُمَا فِي لَيْلَتِكُمَا )، قَالَ سُفْيَانُ: فَقَالَ رَجُلٌ مِنَ الأَنْصَارِ: فَرَأَيْتُ لَهُمَا تِسْعَةَ أَوْلاَدٍ كُلُّهُمْ قَدْ قَرَأَ القُرْآنَ . (متفق عليه) ، وفي رواية سعيد بن منصور والبيهقي، قال عباية بن رافع: " فَلَقَدْ رَأَيْتُ لِذَلِكَ الْغُلَامِ سَبْعَ بَنِينَ كُلَّهُمْ قَدْ خَتَمَ الْقُرْآن ".
(5) استجابة دعائه لأبي هريرة وأمه:
- ذاكرة أبو هريرة -رضي الله عنه- الضعيفة، تتحول إلى حافظة حديث رسول الله -صلى الله عليه وسلم- الأولى في الأمة، ببركة دعوة النبي -صلى الله عليه وسلم-: عن أبي هريرة -رضي الله عنه- قال: قُلتُ: يا رَسولَ اللَّهِ، إنِّي أسْمَعُ مِنْكَ حَدِيثًا كَثِيرًا أنْسَاهُ؟ قَالَ: ( ابْسُطْ رِدَاءَكَ )، فَبَسَطْتُهُ، قَالَ: فَغَرَفَ بيَدَيْهِ (3) ، ثُمَّ قَالَ: ( ضُمَّهُ )، فَضَمَمْتُهُ، فَما نَسِيتُ شيئًا بَعْدَهُ. (رواه البخاري) .
- أم أبي هريرة المعادية للنبي -صلى الله عليه وسلم- والإسلام، تتحول في لحظة إلى محبة للنبي -صلى الله عليه وسلم- وللإسلام: عن أبي هريرة -رضي الله عنه- قال: كُنْتُ أَدْعُو أُمِّي إلى الإسْلَامِ وَهي مُشْرِكَةٌ، فَدَعَوْتُهَا يَوْمًا فأسْمعتْنِي في رَسُولِ اللهِ -صلى الله عليه وسلم- ما أَكْرَهُ، فأتَيْتُ رَسُولَ اللهِ -صلى الله عليه وسلم- وَأَنَا أَبْكِي، قُلتُ يا رَسُولَ اللهِ، إنِّي كُنْتُ أَدْعُو أُمِّي إلى الإسْلَامِ فَتَأْبَى عَلَيَّ، فَدَعَوْتُهَا اليومَ فأسْمعتْنِي فِيكَ ما أَكْرَهُ، فَادْعُ اللَّهَ أَنْ يَهْدِيَ أُمَّ أَبِي هُرَيْرَةَ، فَقالَ رَسُولُ اللهِ -صلى الله عليه وسلم-: ( اللَّهُمَّ اهْدِ أُمَّ أَبِي هُرَيْرَةَ )، فَخَرَجْتُ مُسْتَبْشِرًا بدَعْوَةِ نَبِيِّ اللهِ -صلى الله عليه وسلم-، فَلَمَّا جِئْتُ فَصِرْتُ إلى البَابِ، فَإِذَا هو مُجَافٌ، فَسَمِعَتْ أُمِّي خَشْفَ قَدَمَيَّ، فَقالَتْ: مَكَانَكَ يا أَبَا هُرَيْرَةَ، وَسَمِعْتُ خَضْخَضَةَ المَاءِ، قالَ: فَاغْتَسَلَتْ وَلَبِسَتْ دِرْعَهَا، وَعَجِلَتْ عن خِمَارِهَا، فَفَتَحَتِ البَابَ، ثُمَّ قالَتْ: يا أَبَا هُرَيْرَةَ، أَشْهَدُ أَنْ لا إلَهَ إلَّا اللَّهُ، وَأَشْهَدُ أنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ، قالَ: فَرَجَعْتُ إلى رَسُولِ اللهِ -صلى الله عليه وسلم-، فأتَيْتُهُ وَأَنَا أَبْكِي مِنَ الفَرَحِ. قالَ: قُلتُ: يا رَسُولَ اللهِ، أَبْشِرْ قَدِ اسْتَجَابَ اللَّهُ دَعْوَتَكَ وَهَدَى أُمَّ أَبِي هُرَيْرَةَ، فَحَمِدَ اللَّهَ وَأَثْنَى عليه، وَقالَ خَيْرًا (رواه مسلم) .
خاتمة:
- لقد كانت دعوات النبي -صلى الله عليه وسلم- المستجابة من أعظم أسباب اليقين عند الصحابة -رضي الله عنهم- حتى صاروا يميِّزون من دعائه كلمات لها مقاصد مخصوصة: عن سلمة بن الأكوع قال: خَرَجْنا مع النبيِّ -صلى الله عليه وسلم- إلى خَيْبَرَ، فَسِرْنا لَيْلًا، فقالَ رَجُلٌ مِنَ القَوْمِ لِعامِرٍ: يا عامِرُ ألا تُسْمِعُنا مِن هُنَيْهاتِكَ؟ وكانَ عامِرٌ رَجُلًا شاعِرًا، فَنَزَلَ يَحْدُو بالقَوْمِ يقولُ: اللَّهُمَّ لَوْلا أنْتَ ما اهْتَدَيْنا... ولا تَصَدَّقْنا ولا صَلَّيْنا، فاغْفِرْ فِداءً لكَ ما أبْقَيْنا... وثَبِّتِ الأقْدامَ إنْ لاقَيْنا وَأَلْقِيَنْ سَكِينَةً عَلَيْنا... إنَّا إذا صِيحَ بنا أبَيْنا وَبِالصِّياحِ عَوَّلُوا عَلَيْنا، فقالَ رَسولُ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم-: مَن هذا السَّائِقُ، قالوا: عامِرُ بنُ الأكْوَعِ، قالَ: ( يَرْحَمُهُ اللَّهُ )، قالَ رَجُلٌ مِنَ القَوْمِ: وجَبَتْ يا نَبِيَّ اللَّهِ، لَوْلا أمْتَعْتَنا بهِ؟ فأتَيْنا خَيْبَرَ فَحاصَرْناهُمْ... فَلَمَّا تَصافَّ القَوْمُ كانَ سَيْفُ عامِرٍ قَصِيرًا، فَتَناوَلَ به ساقَ يَهُودِيٍّ لِيَضْرِبَهُ، ويَرْجِعُ ذُبابُ سَيْفِهِ، فأصابَ عَيْنَ رُكْبَةِ عامِرٍ فَماتَ منه" (4) (متفق عليه) .
فاللهم شفِّع فينا نبيك -صلى الله عليه وسلم-، وارزقنا استجابة الدعاء الصالح يا سميع يا مجيب.
وصلى اللهم على نبينا محمدٍ، وعلى آله وصحبه أجمعين.
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ