نقد الكهنوت الصوفي (2) كيف يتعامل "الكهنوت الصوفي" مع مخالفيه؟ (ضرب الشيخ الفرغل الصوفي للإمام ابن حجر وإجباره على بيع الحشيش أنموذجًا!)
الشيخ عبدالمنعم الشحات • المنهج السلفي
الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد؛
فقد قدَّمتُ في المقالة السابقة: كيف وصل الحال بالطرق الصوفية من الصورة الكهنوتية التي تعطي الشيخ صاحب السند حق التجربة والاختراع في الذِّكْر والعبادة، ثم تلزم المريد ألا يفعل هذا إلا بإذن، وأن مَن لم يستأذن فهو كاللقيط!
ومن المغالطات المنهجية: أنك إذا بيَّنت فساد عقيدة أو فكر أو سلوك عند أحد، حاد عن الجواب إلى أمورٍ، منها:
1- ذكر محاسن له في أبواب أخرى، وإذا قبلت تلك المحاسن في الأبواب الأخرى؛ فماذا عساها أن تفيد في مسألتك؟!
ومن أكثر ما يتترس به الصوفية من النقد: حسن أخلاقهم، وحبهم لجميع الخلق، وتسامحهم! وهذا لا يفيد في بحث مدى شرعية أو بدعية مسألة؛ فضلًا أنه غير حقيقي، ومحنة ابن حجر مع الصوفية تشهد بهذا -كما سنبين في هذه المقالة-.
2- ذكر محاسن أسلافه كما يهرع الصوفية إلى النقل عن الزُّهَّاد الأوائل أو حتى عن شيوخ الصوفية المشهود لهم بفعل السنة وترك البدعة كالجنيد، ونحن أول مَن يطالبهم أن يكونوا على طريقتهم كما طالبهم من قَبْل: شيخ الإسلام ابن تيمية، والحافظ ابن حجر -كما سيأتي كلامه في النقاط التالية-.
3- ومما يحتج به بعض المنتسبين للتصوف: أن هذا هو منهج الأزهر من ألف عام، وهو احتجاج ليس منضبطًا تاريخيًّا، ولا يمكن الجزم بأنه على طول تاريخه بعد ذلك كان مناصرًا لانحرافات الصوفية، يمكن أن يقال: إن الأزهر اعتمد التصوف كعلمٍ من العلوم، يسد جانب السلوك، ولكن لا يمكن أن يقال: إن الأزهر عبر تاريخه رضي بهذه الانحرافات!
وأعظم شاهد على هذا: الحافظ ابن حجر، أعظم مَن انتسب إلى الأزهر عبر تاريخه، ولا يُقبل تصوفٌ إلا باعتباره علم سلوك، مقيَّد من ألفه إلى يائه بالكتاب والسنة.
4- لقد استوقفني الروايات التي يذكرون فيها إذلال الشيخ الصوفي الذي يسمَّى: "الفرغل"، وهي بقدر ما تدل على مقدار الانحراف عند الصوفية تدل أيضًا على أنهم لديهم غل تجاه الحافظ ابن حجر، فرَّغوه في قصص لا نظن أنها حدثت بالفعل.
وما زلت أقول: إن الغرض من هذه الردود إيقاف شهية بعض المتصوفة في التوسع في هذه الانحرافات مرة ثانية؛ مما قد يعرض الشباب لفتنة العالمانية والإلحاد، فإن كانوا ولا بد منتسبين إلى التصوف فليكن تصوف الجنيد أو الحافظ ابن حجر (وهم ينسبونه إلى التصوف)، لا تصوف الفرغل (إن كنت لا تعرف تصوف الفرغل فسيأتيك خبره بعد قليل).
ولنبدأ باستعراض مواطن من إنكار ابن حجر انحرافات الصوفية، ونبدأ بالمسألة التي نحن بصدد مناقشتها، وهي التجربة في الذكر.
موقف الإمام ابن حجر من التجربة في الذكر:
وقد ناقش هذه المسألة في كتابه: "بذل الماعون في فضل الطاعون"، فناقش خروج الناس للدعاء في صعيد واحد على هيئة صلاة الاستقساء، فقال: "ووقع الاستفتاء عن ذلك؛ فأفتى بعض الناس بمشروعية ذلك، واستند فيه إلى العمومات الواردة في الدعاء، واستند آخر إلى أنه وقع في زمن الملك المؤيد وأجدى ذلك، وحضره جمع من العلماء فما أنكروه؟ وأفتى جماعة من العلماء بأن ترك ذلك أولى؛ لما يخشى من الفتنة به، إثباتًا ونفيًا؛ لأنه إن أجدى لم يأمن خطر الدعوى، وإن لم يجدِ لم يأمن سوء الظن بالعلماء والصلحاء والدعاء. ونحوتُ هذا النحو في جوابي.
وأضفت إلى ذلك: أنه لو كان مشروعًا، ما خَفِيَ على السلف ثم على فقهاء الأمصار وأتباعهم، في الأعصار الماضية، فلم يبلغنا في ذلك خبر ولا أثر عن المحدثين، ولا فرع مسطور عن أحدٍ من الفقهاء، وألفاظ الدعاء وصفات الداعي لها خواص وأسرار، يختص بها كل حَادِث بما يليق به. والمعتمد في ذلك: الاتباع، ولا مدخل للقياس في ذلك".
ثم ناقش بعض الآثار الواردة عن السلف في مواقف مشابهة، وهل تصلح أن يستدل بها هنا أم لا؟ وهذا من تمام اتباعه، فإنه بعد أن قرر أن الأصل الاتباع، وأن جُلَّ العلماء كانوا يحملون ما ورد عن الصحابة والتابعين في مثل هذه الأبواب، أنه لا بد وأن يكون ثبت لهم عن النبي -صلى الله عليه وسلم-، فانظر إلى جواب الحافظ مع أنه يتحدث عن أقوام خرجوا يدعون بأدعية أصلها ثابت ومعناها معلوم، وما فيها من تضرع إلى الله وطلب لكشف البلاء، فما بالنا بمَن يجوز الذكر بما لا يفهم معناه البتة، كما ذكرنا أمثلة لهذا في المقالة السابقة.