شعار المكتبة الرقمية للدعوة السلفية
دخول ♡ قبسات

نقد الكهنوت الصوفي (2) كيف يتعامل "الكهنوت الصوفي" مع مخالفيه؟ (ضرب الشيخ الفرغل الصوفي للإمام ابن حجر وإجباره على بيع الحشيش أنموذجًا!)

الشيخ عبدالمنعم الشحات • المنهج السلفي

‏استنكار الإمام الحافظ ابن حجر على بعض الصوفية تسمية الأمور الشرعية الثابتة ‏أنها للعامة "لا سيما التوحيد" فقال: ‏(قَوْلُهُ: بَابُ مَا جَاءَ فِي دُعَاءِ النَّبِيِّ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- أُمَّتَهُ إِلَى تَوْحِيدِ اللَّهِ -تَعَالَى-: الْمُرَادُ بِتَوْحِيدِ اللَّهِ -تَعَالَى- الشَّهَادَةُ بِأَنَّهُ إِلَهٌ وَاحِدٌ، وَهَذَا الَّذِي يُسَمِّيهِ بَعْضُ غُلَاةِ الصُّوفِيَّةِ: ‏تَوْحِيدَ الْعَامَّةِ، وَقَدِ ادَّعَى طَائِفَتَانِ فِي تَفْسِيرِ التَّوْحِيدِ أَمْرَيْنِ اخْتَرَعُوهُمَا، أَحَدُهُمَا: تَفْسِيرُ ‏الْمُعْتَزِلَةِ كَمَا تَقَدَّمَ. ثَانِيهُمَا: غُلَاةُ الصُّوفِيَّةِ، فَإِنَّ أَكَابِرَهُمْ لَمَّا تَكَلَّمُوا فِي مَسْأَلَةِ الْمَحْوِ وَالْفَنَاءِ، ‏وَكَانَ مُرَادُهُمْ بِذَلِكَ الْمُبَالَغَةَ فِي الرِّضَا وَالتَّسْلِيمِ وَتَفْوِيضِ الْأَمْرِ، بَالَغَ بَعْضُهُمْ حَتَّى ‏ضَاهَى الْمُرْجِئَةَ فِي نَفْيِ نِسْبَةِ الْفِعْلِ إِلَى الْعَبْدِ، وَجَرَّ ذَلِكَ بَعْضُهُمْ إِلَى مَعْذِرَةِ الْعُصَاةِ ثُمَّ ‏غَلَا بَعْضُهُمْ، فَعَذَرَ الْكُفَّارَ ثُمَّ غَلَا بَعْضُهُمْ، فَزَعَمَ أَنَّ الْمُرَادَ بِالتَّوْحِيدِ اعْتِقَادُ وِحْدَةِ الْوُجُودِ ‏وَعَظُمَ الْخَطْبُ حَتَّى سَاءَ ظَنُّ كَثِيرٍ مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ بِمُتَقَدِّمِيهِمْ، وَحَاشَاهُمْ مِنْ ذَلِكَ، وَقَدْ قَدَّمْتُ ‏كَلَامَ شَيْخِ الطَّائِفَةِ الْجُنَيْدِ وَهُوَ فِي غَايَةِ الْحُسْنِ وَالْإِيجَازِ، وَقَدْ رَدَّ عَلَيْهِ بَعْضُ مَنْ قَالَ ‏بِالْوَحْدَةِ الْمُطْلَقَةِ، فَقَالَ: وَهَلْ مِنْ غَيْرٍ؟ وَلَهُمْ فِي ذَلِكَ كَلَامٌ طَوِيلٌ يَنْبُو عَنْهُ سَمْعُ كُلِّ مَنْ كَانَ ‏عَلَى فِطْرَةِ الْإِسْلَامِ وَاللَّهُ الْمُسْتَعَانُ)‏ (فتح الباري، 13/ 348‏) .

شدة نقد الإمام الحافظ ابن حجر للقول بوحدة الوجود:

ومن النقل السابق يتبيَّن مقدار إنكار الإمام الحافظ ابن حجر للقول بوحدة الوجود، وفي ذلك أيضًا قال في شرح قوله -صلى الله عليه وسلم-: ( الإِحْسَانُ أَنْ تَعْبُدَ اللَّهَ كَأَنَّكَ تَرَاهُ، فَإِنْ لَمْ تَكُنْ تَرَاهُ فَإِنَّهُ يَرَاكَ ) (متفق عليه) :‏ "‏وَأَقْدَمَ بَعْضُ غُلَاةِ الصُّوفِيَّةِ عَلَى تَأْوِيلِ الْحَدِيثِ بِغَيْرِ عِلْمٍ، فَقَالَ: فِيهِ إِشَارَةٌ إِلَى مَقَامِ ‏الْمَحْوِ وَالْفَنَاءِ، وَتَقْدِيرُهُ: فَإِنْ لَمْ تَكُنْ، أَيْ: فَإِنْ لَمْ تَصِرْ شَيْئًا وَفَنِيتَ عَنْ نَفْسِكَ حَتَّى كَأَنَّكَ ‏لَيْسَ بِمَوْجُودٍ، فَإِنَّكَ حِينَئِذٍ تَرَاهُ، وَغَفَلَ قَائِلُ هَذَا لِلْجَهْلِ بِالْعَرَبِيَّةِ... " (فتح الباري، 1/ 120‏) .‏

ولكن لماذا لم يصرِّح ابن حجر في فتح الباري باسم ابن عربي؟‏

يذكر لنا تلميذه السخاوي (جهره) بالإنكار على ابن عربي، فقال: " ‎ وكذا كان ‌يجهر ‌بالإنكار ‌على ‌ابن ‌عربي ‌ومَنْ ‌نحا ‌نحوه (الجواهر والدرر في ترجمة شيخ الإسلام ابن حجر، 3/ 1047) .

وهذا ما يبيِّن لك مقدار ما كان الصوفية أتباع بن عربي يرهبون به مَن يصرِّح بنقده، حتى ‏صار (الجهر) بالإنكار عليه يستحق الذكر، ولعل تلك القصة المطولة التي يرويها السخاوي ‏أيضًا تبيِّن مقدار الفتنة في ذلك.

قال السخاوي: "ومع وُفور حلمه، وعدم سرعة غضبه، فكان سريعَ الغضبِ في اللَّه ورسوله، ويصرح -كما سلف في أول أجوبته في الفصل الخامس مِنَ الباب السادس، باقتداء النَّاس في هذه الأزمان بأولي الجهل، وعدم معرفة الحقِّ، وسيادةِ الوَضيع، وتغيُّر الأحوال، حتَّى عاد الدِّينُ غريبًا، إلى غير ذلك ممَّا يشهدُ لصدعه بالحقِّ، وعدم المبالاة في اللَّه تعالى، ‌واتَّفق -‌كما ‌سمعتُه ‌منه ‌مرارًا- ‌أنَّه ‌جَرَى ‌بينه ‌وبين ‌بعض ‌المحبِّين لابن عربي منازعة كثيرة في أمرِ ابن عربي، أدَّت إلى أن نال شيخُنا مِنَ ابنِ عربي لسُوء مقالته، فلم يسهل بالرَّجُلِ المنازع له في أمره، وهدَّده بأن يُغْرِيَ به الشيخ صفاء الذي كان الظَّاهرُ برقوق يعتقدُه، ليذكرَ للسُّلطان أنَّ جماعة بمصر منهم فلان يذكرون الصَّالحين بالسوء، ونحو ذلك، فقال له شيخنا: ما للسُّلطان في هذا مدخَلٌ، لكن تعالَ نتباهل... " (الجواهر والدرر في ترجمة شيخ الإسلام ابن حجر، 3/ 1001-1002) ، ثم ذكر أمر المباهلة وكيف عمي هذا ‏المباهل.

استنكار الإمام ابن حجر لغناء ورقص الصوفية:

قال الحافظ -رحمه الله- في "فتح الباري" نقلًا عن القرطبي: ‏"أَمَّا مَا ابْتَدَعَهُ الصُّوفِيَّةُ فِي ذَلِكَ، فَمِنْ قَبِيلِ مَا لَا يُخْتَلَفُ فِي تَحْرِيمِهِ، لَكِنَّ النُّفُوسَ ‏الشَّهْوَانِيَّةَ غَلَبَتْ عَلَى كَثِيرٍ مِمَّنْ يُنْسَبُ إِلَى الْخَيْرِ حَتَّى لَقَدْ ظَهَرَتْ مِنْ كَثِيرٍ مِنْهُمْ فِعْلَاتُ ‏الْمَجَانِينِ وَالصِّبْيَانِ حَتَّى رَقَصُوا بِحَرَكَاتٍ مُتَطَابِقَةٍ وَتَقْطِيعَاتٍ مُتَلَاحِقَةٍ، وَانْتَهَى التَّوَاقُحُ ‏بِقَوْمٍ مِنْهُمْ إِلَى أَنْ جَعَلُوهَا مِنْ بَابِ الْقُرَبِ وَصَالِحِ الْأَعْمَالِ، وَأَنَّ ذَلِكَ يُثْمِرُ سِنِيِّ الْأَحْوَالِ، ‏وَهَذَا عَلَى التَّحْقِيقِ مِنْ آثَارِ الزَّنْدَقَةِ وَقَوْلُ أَهْلِ الْمُخَرِّفَةِ. وَاللَّهُ الْمُسْتَعَانُ"، ثم قال: "وَيَنْبَغِي أَنْ يُعْكَسَ مُرَادهم وَيقْرَأ: سيئ" (فتح الباري، 2/ 443) . يعنى أن أفعلهم تثمر "سيئ الأحوال"، لا "سني الأحوال!".

وقال: ‏"اسْتَدَلَّ قَوْمٌ مِنَ الصُّوفِيَّةِ بِحَدِيثِ الْبَابِ عَلَى جَوَازِ الرَّقْصِ، وَسَمَاعِ آلَاتِ الْمَلَاهِي، ‏وَطَعَنَ فِيهِ الْجُمْهُورُ بِاخْتِلَافِ الْمَقْصِدَيْنِ، فَإِنَّ لَعِبَ الْحَبَشَةِ بِحِرَابِهِمْ كَانَ لِلتَّمْرِينِ عَلَى ‏الْحَرْبِ فَلَا يُحْتَجُّ بِهِ لِلرَّقْصِ فِي اللَّهْو. وَالله أعلم"‏ (فتح الباري، 6/ 553‏) .

قصة الشيخ الفرغل مع الإمام ابن حجر:

الصفحة السابقة الصفحة التالية