الفساد (96) الصناعة ودورها في الاقتصاد المصري (8) دولة تنموية لا دولة الحد الأدنى
الشيخ علاء بكر • قضايا معاصرة
الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد؛
(اتسمت فترة الثمانينيات والتسعينيات من القرن الماضي في مصر بزيادة الممارسات الاحتكارية، والتخصيص غير العادل للأراضي، والصفقات المشبوهة مع رجال الأعمال، وغير ذلك؛ مما نحا بمسار التنمية في اتجاه بعض شرائح المجتمع، وبعض القطاعات على حساب سائر أفراد المجتمع والكثير من القطاعات الأخرى بالدولة، وقد نتج عن ذلك: ارتفاع في معدلات النمو، ولكن دون شعور المواطن بعوائد التنمية؛ لعدم التوزيع العادل لمخرجات هذا النمو، ودون توفير فرص عمل مستدامة. ومع الانفتاح الشديد للاقتصاد المصري على الخارج تزايدت مظاهر الفوضى في الاقتصاد)، (وتم إطلاق المجال أمام القطاع الخاص دونما تمييز بين ما هو إنتاجي في نشاطاته ويستحق التشجيع وبين ما هو ريعي أو طفيلي ويجب تقييده! وصاحَب ذلك: استشراء الفساد وبروز التحالفات بين أهل الثروة وأهل السلطة، واحتلال عدد من كبار أهل الأعمال لمواقع حاكمة في المؤسسات التشريعية والتنفيذية، ومِن ثَمَّ فإن النمو الاقتصادي الذي شهدته مصر في السنوات الأخيرة كان نموًّا غير مستدام، من حيث القطاعات المولِّدة له أو الفئات المستفيدة منه) (راجع: "كيف تنهض الأمم؟ تجارب تنموية ودروس مستفادة" د. نسرين اللحام - كتاب الجمهورية عدد ديسمبر 2014 م، ص 237 - 238 بتصرفٍ) .
مبارك ودولة الحد الأدنى:
صاحب تبني سياسة الانفتاح الاقتصادي في السبعينيات وما بعدها: (تبني حزمة كاملة للسياسات الليبرالية الاقتصادية الجديدة)، ومعها: (انكمش دور الدولة في التنمية انكماشًا كبيرًا. وقد كان هذا أمرًا طبيعيًّا مع الدعوة المتضمنة لهذه السياسات؛ لإطلاق قوى السوق، وفتح المجالات أمام القطاع الخاص؛ فضلًا على تحويل الجزء الأكبر من القطاع العام إلى القطاع الخاص. وفي إطار تطبيق الليبرالية الاقتصادية الجديدة تم التفريط في فتح الاقتصاد وتحريره، واستتبع ذلك انحسار دور الدولة وتخليها عن قيادة التنمية، وغياب دورها الاقتصادي والاجتماعي الهادف إلى حماية الاقتصاد الوطني من المنافسة غير المتكافئة، وحماية الطبقات الشعبية من التداعيات السلبية لقوى السوق، والحماية من تفشي الفساد على نطاقٍ واسعٍ، وهو ما تجسد في إهمال القطاع العام ثم خصخصة أجزاء كبيرة منه، وتراجع الاستثمار العام، بحيث لم يعد له الوزن الكمي ولا الوزن الكيفي في تحديد مسارات التنمية!
ومن الملاحَظ: أن الانكماش في دور الدولة المصرية لم يتوقف عند المجال الاقتصادي، بل تعداه إلى المجال الاجتماعي، وذلك بتراجع مساهمة الدولة في نشر التعليم وتطويره، وفي توفير الرعاية الصحية المجانية والارتقاء بمستواها، وفي مجال البحث العلمي والتطوير التكنولوجي، مع الاتجاه القوي من جانب الحكومة لخصخصة التأمينات الاجتماعية والتأمين الصحي. والمصدر الرئيسي للخلل في أداء التخطيط ومسار التنمية، هو: تبني حزمة سياسات توافق واشنطن المعروفة بالسياسات الليبرالية الجديدة؛ فهذه السياسات تركِّز على تحقيق الاستقرار النقدي والمالي، وليست لها علاقة أصيلة بالتنمية، وبالمعاناة الاقتصادية والاجتماعية للقطاع الأكبر من الشعب.
وتبعًا لهذه السياسات يمكن إطلاق مسمَّى: (دولة الحد الأدنى) على الدولة المصرية، وهي الدولة العازفة عن التدخل في الشئون الاقتصادية والتنموية، والتي تميل إلى حماية الطبقة الحاكمة، والتصدي للتغيير، والمزاوجة بين السلطة والثروة، وتوسيع دائرة التحكم والقمع، وتنفيذ مشروعات بغض النظر عن الحاجة إليها، والتي تنحصر مهمتها في توفير الأمن الداخلي والدفاع الخارجي، وإقامة البنية الأساسية، وتهيئة ظروف عمل مواتية للقطاع الخاص، بشقيه: المحلي والأجنبي، وكفالة مناخ قانوني وقضائي ميسر، وتبسيط الإجراءات التي لا يرتاح لها رجال الأعمال؛ حتى عندما تكون هذه الإجراءات ضرورية للتأكد من جدوى المشروعات، ومِن جدية مساهمتها في تدبير فرص العمل، أو التأكد من مدى ملاءمة التكنولوجيا الوافدة لظروف البلاد. وفي حالاتٍ معينةٍ حَلَّ الإخطار محل الترخيص عند إقامة المشروعات، بما يعني غض البصر عما قد يكون للمشروعات المزمع قيامها من آثار على المشروعات والصناعات القائمة، أو على حالة المنافسة أو على ميزان المدفوعات) (المصدر السابق، ص 240 -241) .
الدولة التنموية والطفرة الاقتصادية:
إن (تقدم مصر وازدهارها لا يمكن أن يكون إلا من خلال تبني نموذج جديد للتنمية، يضمن تحقيق تنمية اقتصادية تؤهِّل مصر للانضمام لمصاف الدول المتقدمة، والتجمعات والمنظمات الاقتصادية المهمة، ويتطلب نجاح التنمية الاقتصادية واستدامتها تحقيق نمو اقتصادي ومعدلات نمو مطردة في نصيب الفرد من الناتج المحلي الإجمالي مصحوبًا بتطوير البنية الاقتصادية الحاكمة، وتحسين الأداء المؤسسي والإداري، ويجب أن يصاحب التنمية الاقتصادية إحداث تنمية بشرية، وتحسن في مستويات الدخول والصحة والتعليم والخدمات العامة، مع تحقيق عدالة توزيع المنافع التنموية بين أفراد الجيل الحالي دون إجحاف بحق الأجيال القادمة في الاستمتاع بالموارد الطبيعية، أي تحقيق تنمية مستدامة) (المرجع السابق، ص 238) .
(وكما تشير التجارب الدولية؛ فإن تحقيق طفرة اقتصادية يتم عندما يتجاوز معدل نمو الناتج المحلي الإجمالي 5و3% لمدة لا تقل عن ثماني سنوات، بينما تحقق المعجزة الاقتصادية من خلال المحافظة على معدل نمو حقيقي لا يقل عن 7 % لمدة لا تقل عن 25 عامًا. ولتحقيق معدل النمو المستهدف يمكن اتباع مسار النمو الاقتصادي المتسارع الذي يقوم على تبني سياسات معينة، وذلك في إطار مجموعة من المبادئ والثوابت من أجل حماية النمو من سوء التوزيع والممارسات الاحتكارية، والفساد، وغير ذلك، وبشكل يسمح بمضاعفة متوسط دخل الفرد خلال عشرين عامًا، وهو الأمر الذي سيؤدي إلى نقل مصر من مجموعة الدول ذات الشريحة الدنيا من الدخل المتوسط إلى مجموعة الدول ذات الدخل المرتفع، وبالتالي تحقيق أحد مفردات تعريف الدولة المتقدمة.