الفساد (96) الصناعة ودورها في الاقتصاد المصري (8) دولة تنموية لا دولة الحد الأدنى
الشيخ علاء بكر • قضايا معاصرة
وحتى تستطيع مصر تحقيق معدل نمو متسارع؛ فإن ذلك يتطلب زيادة معدل الاستثمار من خلال وتحسين معدلات التنمية البشرية، وإزالة المعوقات البيروقراطية، والاهتمام بالبنية التحتية، مما يسهم بدوره في تحقيق النمو المتسارع؛ خاصة إذا ما تم التركيز على خفض معدلات الاستهلاك الحكومي، ورفع معدلات الادخار من خلال سياسات ومؤسسات تشجيع الادخار، ومِن ثَمَّ رفع معدلات التراكم الرأسمالي، وخفض التكلفة التمويلية للمستثمرين، وتبسيط الإجراءات، وتحسين مناخ بيئة الأعمال، وتشجيع الاستثمار الأجنبي المباشر، من خلال تحسين وضع مصر التنافسي في مؤشر ممارسة الأعمال) (المصدر السابق، ص 239) .
روشتة علاج:
تقول د. نسرين اللحام: (وحتى تستطيع مصر تحقيق معدل نمو متسارع 5و7 % سنويًّا حتى خمسة عشر عامًا، فإن ذلك يتطلب زيادة معدل الاستثمار ليصل إلى 30% من خلال ضخ مزيدٍ مِن الاستثمارات في القطاعات الصناعية والخدمية، وتحسين معدلات التنمية البشرية، وإزالة المعوقات البيروقراطية، والاستثمار في البنية التحتية، مما يساهم بدوره في تحقيق النمو المتسارع؛ خاصة إذا تم التركيز على خفض معدلات الاستهلاك الحكومي، ورفع معدلات الادخار، وتشجيع استثمارات القطاع الخاص من خلال خفض معدلات الضرائب، وخفض التكلفة التمويلية للمستثمرين، وتبسيط الإجراءات، وتحسين مناخ بيئة الأعمال، وتشجيع الاستثمار الأجنبي المباشر، والارتقاء بترتيب مصر في المؤشرات الدولية الخاصة ببيئة الأعمال) (المصدر السابق، ص 245- 246) .
وعن نوعية هذا الاستثمار الذي يجب التوجه إليه حاليا تقول د. نسرين اللحام: (إن الاتجاه إلى الاستثمارات كثيفة العمالة لا شك هو الأصلح للحالة المصرية، كما تشير نماذج التنمية في كوريا الجنوبية وسنغافورة وماليزيا وتركيا، وذلك في ظل توفر العمالة الرخيصة، ومن أجل توليد فرص عمل تمتص الزيادة المطردة في حجم السكان في سن العمل، ويمكن دعم المشروعات الصغيرة والمتوسطة كأولوية قصوى، باعتبارها فاعلًا أساسيًّا في عملية الاستثمار والتشغيل)، (كما إن الشراكات بين القطاعين: العام والخاص، وتفعيل أنظمة البناء والتشغيل والتحويل (بي. أو. تي)؛ خاصة في المشروعات ذات العوائد الاجتماعية والتنموية يمكن أن تكون هي الأخرى ذات أولوية في المرحلة المقبلة).
(وفي مرحلة تالية يمكن أن يتحول الهدف من الاستثمارات كثيفة العمالة إلى الاستثمارات رأس المال، وإطلاق ثورة صناعية تؤسس على الصناعات الابتكارية المتضمنة للقيمة المضافة العالية، وتعميق التوجه التصديري في عمليات التصنيع، مع جذب الشركات متعددة الجنسيات للاستثمار في المجالات عالية التكنولوجيا، ودعم أنشطة البحث والتطوير، وتوفير بنية تحتية تكنولوجية قوية، وتطوير نظام التعليم للوفاء بالمتطلبات اللازمة من العمالة الماهرة)، (وفي مرحلة ثالثة يمكن التحول إلى الاستثمارات كثيفة المعرفة، بالتركيز على ذات التقنيات العالية، وتخصيص الاستثمارات في البحث وتطوير التكنولوجيا، وفي هذه المرحلة يمكن أن يكون نظام التعليم قد تطور بحيث يوفِّر متطلبات العمالة اللازمة، والتي تخدم الصناعات الابتكارية، وعندها يمكن أن تتحول الشركات المحلية إلى شركات عالمية).
(وتبدو صناعة البرمجيات الحل الأمثل لانتشال سوق العمل المصري من أزمته؛ فهي تتطلب فقط عمالة ماهرة مدربة دون أي رؤوس أموال ضخمة، ولا تترك أي آثار سلبية على البيئة، وتنمو بسرعة هائلة، وتقدم الهند نموذجًا لإطلاق صناعة تكنولوجيا المعلومات كآلية رخيصة وسريعة في تحقيق قفزة نوعية في مسيرة التقدم، ورفع مستوى التنمية البشرية باستغلال الانفجار السكاني الذي يمثِّل نقطة ضعف الهند، وتحويله إلى نقطة قوة تدعم مبادرة تنمية قطاع تكنولوجيا المعلومات وتمده بعشرات الآلاف من المختصين كل عام.
وقد حققت الحكومة في مصر نجاحات مهمة في تنمية هذا القطاع مما يمثِّل فرصة لقطاع تكنولوجيا المعلومات في مصر أن يكون قطاعًا رائدًا بالاستفادة من تجربة الهند في هذا المجال) (المصدر السابق، ص 247- 248) .
إن الدول التنموية الناجحة هي التي استطاعت: (تحقيق معدلات مرتفعة من التنمية البشرية، وتبنت اقتصاديات السوق الحرة، ولكن تحت إشراف الدولة التي سعت إلى السيطرة على السوق وتوجيهه بما يساعد على إنجاز الأهداف التي كانت تسعى إلى تحقيقها، مع إعطاء القطاع الخاص دوره في الحياة الاقتصادية، وتعظيم مساهمته في عملية التنمية الاقتصادية، وعملت هذه الدول أيضًا على التدخل في مجال التنمية لتحقيق العدالة، ومساهمة كل الفئات الاجتماعية في عمليات التنمية، والذي هو من أهم عناصر نجاحها ووضعها على أسس ثابتة)، فـ(من أسباب نجاح التجربة الماليزية مثلًا: تبني مبدأ الحرية الاقتصادية الذي يكفل للقطاع الخاص حرية ممارسة النشاط الاقتصادي بما لا يؤثر على حرية الآخرين على أن يعمل في إطار المصلحة العامة للمجتمع، وأن تقوم الدولة بتهيئة المناخ المناسب للقطاع الخاص وتراقب نشاطه لكي يكون متفقًا مع قواعد الشريعة الإسلامية) (المرجع السابق، ص 240 بتصرفٍ) .
حتمية الدولة التنموية:
(وعلى ذلك يمكن القول: إنه لا يمكن للدولة المصرية في المرحلة المقبلة التخلي عن القيام بدورها التنموي، فلا توجد مؤسسة أخرى غير الدولة لديها القدرة أو الموارد لقيادة التغيير القوي الذي تحدثه التنمية وفي أقصر مدة ممكنة. والدور الجديد للدولة يتطلب توفر مجموعة خصائص تختلف عن دور الحكومة التقليدي، أي: أن تكون لديها خصائص (الدولة التنموية)، وهي الدولة التي لا تقتصر وظائفها على الوظائف التقليدية للدولة الحارسة، وعلى مراقبة وتوجيه النشاط الاقتصادي بشكل غير مباشر؛ فبالإضافة لهذه الوظائف على الدولة أن تضطلع بأدوار مهمة في تنمية وحشد المدخرات الوطنية، وفي تعبئة الموارد وتوجيهها نحو توسيع دائرة التصنيع وتعميقه، ونحو التنمية الزراعية والتنمية الريفية المتكاملة، وفي القيام بالاستثمارات الإنتاجية، واقتحام مجالات جديدة في مختلف القطاعات).