شعار المكتبة الرقمية للدعوة السلفيةمكتبة الدعوة السلفية الرقمية
دخول قبسات

السلفيون وتحقيق التوازن

محمود عبد الحميد • المنهج السلفي

وقال -صلى الله عليه وسلم- لسعد بن أبي وقاص -رضي الله عنه- لما أراد أن يتصدق بكل ماله: ( لاَ ) قُلْتُ: فَالشَّطْرِ، قَالَ: ( لاَ ) قُلْتُ: فَالثُّلُثِ، قَالَ: ( الثُّلُثُ وَالثُّلُثُ كَثِيرٌ أَنْ تَدَعَ وَرَثَتَكَ أَغْنِيَاءَ خَيْرٌ مِنْ أَنْ تَدَعَهُمْ عَالَةً يَتَكَفَّفُونَ النَّاسَ ) (متفق عليه) .

وكذلك تحقيق التوازن بين الحقوق بإعطاء كل ذي حق حقه دون التقصير في حق من الحقوق، فالتوازن: إعطاء كل شيء حقه من غير زيادة ولا نقص، فقد روى البخاري عن أبي جحيفة -رضي الله عنه- قال: آخَى النَّبِيُّ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- بَيْنَ سَلْمَانَ وَأَبِي الدَّرْدَاءِ، فَزَارَ سَلْمَانُ أَبَا الدَّرْدَاءِ، فَرَأَى أُمَّ الدَّرْدَاءِ مُتَبَذِّلَةً، فَقَالَ لَهَا: "مَا شَأْنُكِ؟!"، قَالَتْ: "أَخُوكَ أَبُو الدَّرْدَاءِ لَيْسَ لَهُ حَاجَةٌ فِي الدُّنْيَا"، فَجَاءَ أَبُو الدَّرْدَاءِ، فَصَنَعَ لَهُ طَعَامًا، فَقَالَ: "كُلْ"، قَالَ: "فَإِنِّي صَائِمٌ" قَالَ: "مَا أَنَا بِآكِلٍ حَتَّى تَأْكُلَ" قَالَ: فَأَكَلَ، فَلَمَّا كَانَ اللَّيْلُ؛ ذَهَبَ أَبُو الدَّرْدَاءِ يَقُومُ، قَالَ: "نَمْ"، فَنَامَ، ثُمَّ ذَهَبَ يَقُومُ، فَقَالَ: "نَمْ"، فَلَمَّا كَانَ مِنْ آخِرِ اللَّيْلِ؛ قَالَ سَلْمَانُ: "قُمْ الْآنَ فَصَلَّيَا"، فَقَالَ لَهُ سَلْمَانُ: "إِنَّ لِرَبِّكَ عَلَيْكَ حَقًّا، وَلِنَفْسِكَ عَلَيْكَ حَقًّا، وَلِأَهْلِكَ عَلَيْكَ حَقًّا، فَأَعْطِ كُلَّ ذِي حَقٍّ حَقَّهُ"، فَأَتَى النَّبِيَّ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- فَذَكَرَ ذَلِكَ لَهُ، فَقَالَ النَّبِيُّ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-: ( صَدَقَ سَلْمَانُ ) (متفق عليه) .

وعن عبد الله عن عمرو بن العاص -رضي الله عنهما- قال: " دَخَلَ عَلَيَّ رَسُولُ اللَّهِ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- فَذَكَرَ الْحَدِيثَ، يَعْنِي: ( إِنَّ لِزَوْرِكَ عَلَيْكَ حَقًّا، وَإِنَّ لِزَوْجِكَ عَلَيْكَ حَقًّا )، فَقُلْتُ: "وَمَا صَوْمُ دَاوُدَ؟" قَالَ: ( نِصْفُ الدَّهْرِ ) (رواه البخاري) .

وروى البخاري في قوله -تعالى-: ( رِجَالٌ لا تُلْهِيهِمْ تِجَارَةٌ وَلا بَيْعٌ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ ) (النور:37) ، وقال قتادة: كان القوم يتبايعون ويتجرون، ولكنهم إذا نابهم حق من حقوق الله؛ لم تلههم تجارة ولا بيع عن ذكر الله حتى يؤدوه إلى الله.

وروى مسلم عن أبي هريرة -رضي الله عنه- قال: قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: ( إِذَا قَامَ أَحَدُكُمْ مِنْ اللَّيْلِ فَاسْتَعْجَمَ الْقُرْآنُ عَلَى لِسَانِهِ فَلَمْ يَدْرِ مَا يَقُولُ؛ فَلْيَضْطَجِعْ ).

وفي حديث عبد الله بن عمرو بن العاص -رضي الله عنهما- قال: ( يَا عَبْدَ الله، أَلَمْ أُخْبَرْ أَنَّكَ تَصُومُ النَّهَارَ وَتَقُومُ اللَّيْلَ، فَلاَ تَفْعَلْ، فَإِنَّكَ إِذَا فَعَلْتَ ذلِكَ؛ هُجِمَتْ عَيْنُكَ، وَتَفِهَتْ نَفْسُكَ، فَصُمْ وَأَفْطِرْ، وَقُمْ وَنَمْ، فَإِنَّ لِجَسَدِكَ عَلَيْكَ حَقًّا، وَإِنَّ لِعَيْنِكَ عَلَيْكَ حَقًّا، وَإِنَّ لِزَوْجِكَ عَلَيْكَ حَقًّا ) (رواه البخاري) .

قال الحافظ ابن حجر -رحمه الله-: "( فَإِنَّ لِنَفْسِكَ عَلَيْكَ حَقًّا ) أي: تعطيها ما تحتاج إليه ضرورة البشرية مما أباحه الله من الطعام والشراب والراحة التي يقوم بها بدنه؛ ليكون أعوَنَ على عبادة ربه، ومن حقوق النفس: قطعها عما سوى الله -تعالى-، لكن ذلك يختص بالتعلقات القلبية.

قوله: ( وَلأَهْلِكَ عَلَيْكَ حَقًّا ) أي: تنظر لهم فيما لابد لهم منه من أمور الدنيا والآخرة، وقد أمره النبي -صلى الله عليه وسلم- بأن يقوم وينام، ويصوم ويفطر، فيجمع بين الحقوق، بين حق الله وحق نفسه، وكما جاء في الروايات السابقة يجمع مع ذلك حق الضيف، وحق الزوجة".

وكذلك يراعي التوازن في الواجبات فلا يضخم واجبًا، ثم يترك أو يهمل أو يقصر في واجبات آخر، بل عليه أن يوازن بين الواجبات، قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: ( أَتَدْرُونَ مَا الْمُفْلِسُ؟! ) قَالُوا: "الْمُفْلِسُ فِينَا مَنْ لاَ دِرْهَمَ لَهُ وَلاَ مَتَاعَ"، فَقَالَ: ( إِنَّ الْمُفْلِسَ مِنْ أُمَّتِي يَأْتِي يَوْمَ الْقِيَامَةِ بِصَلاَةٍ وَصِيَامٍ وَزَكَاةٍ، وَيَأْتِي قَدْ شَتَمَ هَذَا، وَقَذَفَ هَذَا، وَأَكَلَ مَالَ هَذَا، وَسَفَكَ دَمَ هَذَا، وَضَرَبَ هَذَا، فَيُعْطَى هَذَا مِنْ حَسَنَاتِهِ، وَهَذَا مِنْ حَسَنَاتِهِ، فَإِنْ فَنِيَتْ حَسَنَاتُهُ قَبْلَ أَنْ يُقْضَى مَا عَلَيْهِ؛ أُخِذَ مِنْ خَطَايَاهُمْ، فَطُرِحَتْ عَلَيْهِ، ثُمَّ طُرِحَ فِي النَّارِ ) (رواه مسلم) ، وعن أبي هريرة -رضي الله عنه- قال: يَا رَسُولَ اللهِ، إِنَّ فُلانَةَ يُذْكَرُ مِنْ كَثْرَةِ صَلاتِهَا، وَصِيَامِهَا، وَصَدَقَتِهَا، غَيْرَ أَنَّهَا تُؤْذِي جِيرَانَهَا بِلِسَانِهَا، قَالَ: ( هِيَ فِي النَّارِ )، قَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ، فَإِنَّ فُلاَنَةَ يُذْكَرُ مِنْ قِلَّةِ صِيَامِهَا، وَصَدَقَتِهَا، وَصَلَاتِهَا، وَإِنَّهَا تَصَدَّقُ بِالأَثْوَارِ مِنَ الأَقِطِ، وَلاَ تُؤْذِي جِيرَانَهَا بِلِسَانِهَا، قَالَ: ( هِيَ فِي الْجَنَّةِ ) (رواه أحمد، وصححه الألباني) .

وكذا تحقيق التوازن في العمل بلا إفراط ولا تفريط، وبغير تشدد ولا تسيب، قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: ( إِنَّ الدِّينَ يُسْرٌ، وَلَنْ يُشَادَّ الدِّينَ أَحَدٌ إِلاَّ غَلَبَهُ ) (رواه البخاري) ، وعن ابن مسعود -رضي الله عنه- قال: قال -صلى الله عليه وسلم-: ( هَلَكَ الْمُتَنَطِّعُونَ ) قَالَهَا ثَلاَثًا. (رواه مسلم) ، وقالت عائشة -رضي الله عنها-: "مَا خُيِّرَ رَسُولُ اللهِ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-، بَيْنَ أَمْرَيْنِ إِلاَّ أَخَذَ أَيْسَرَهُمَا مَا لَمْ يَكُنْ إِثْمًا، فَإِنْ كَانَ إِثْمًا؛ كَانَ أَبْعَدَ النَّاسِ مِنْهُ، وَمَا انْتَقَمَ رَسُولُ اللهِ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-، لِنَفْسِهِ، إِلاَّ أَنْ تُنْتَهَكَ حُرْمَةُ اللهِ، فَيَنْتَقِمَ للهِ بِهَا" (متفق عليه) .

الصفحة السابقة الصفحة التالية