السلفيون وتحقيق التوازن
محمود عبد الحميد • المنهج السلفي
الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد؛
فإن السلفية منهج عدل ووسط، ولذلك؛ فالسلفيون يحافظون على تحقيق التوازن في كل شيء كما هو منهج الإسلام الذي جاء به رسول الله -صلى الله عليه وسلم-، فهم يحققون التوازن بين العقل والقلب والبدن، فيلبون احتياجات كل واحد على حدة، دون المساس باحتياجات الآخر.
فتحقيق حاجة العقل إنما تكون بتغذيته بما يكون فيه صلاحه، حتى يُرْزَق فهمًا صحيحًا للأمور، ويكون ميزانًا صحيحًا للإنسان في تقسيم ما يمر به من أحداث، وما يعرض له من أمور، وهذا الغذاء العقلي إنما يكون بتعلم العلم الصحيح النافع الذي جاء به سيد المرسلين -صلى الله عليه وسلم-، والمنزَّل من عند رب العالمين من الكتاب والسنة، قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: ( مَنْ يُرِدِ اللَّهُ بِهِ خَيْرًا؛ يُفَقِّهْهُ فِي الدِّينِ ) (متفق عليه) .
فالعلم يحفظ الشريعة من تحريف المبطلين وتأويل الجاهلين، وهو طب العقول ودواؤها، قال -صلى الله عليه وسلم-: ( فَإِنَّمَا شِفَاءُ الْعِيِّ السُّؤَالُ ) (رواه أبو داود، وحسنه الألباني) .
والعلم يقود الإنسان إلى القول الصحيح والعمل الصحيح، قال -تعالى-: ( فَاعْلَمْ أَنَّهُ لا إِلَهَ إِلا اللَّهُ وَاسْتَغْفِرْ لِذَنْبِكَ ) (محمد:19) ، فبدأ بالعلم قبل القول والعمل، فالعلم مقدَّم على القول والعمل، فلا عمل دون علم.
وأول ما ينبغي تعلمه توحيد الله، فالعلم يبصر الله به من العمى، قال -تعالى-: ( أَفَمَنْ يَعْلَمُ أَنَّمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ الْحَقُّ كَمَنْ هُوَ أَعْمَى إِنَّمَا يَتَذَكَّرُ أُولُو الأَلْبَابِ ) (الرعد:19) ، ولذلك؛ ينبغي أن يكون الإنسان -دائمًا- في استزادة من العلم، ( وَقُلْ رَبِّ زِدْنِي عِلْمًا ) (طـه:114) .
وتحقيق حاجة القلب إنما تكون بالاعتقاد الصحيح والعمل الصالح، فإن هذا يؤدي إلى انشراح الصدر وحصول السعادة، قال -تعالى-: ( فَمَنْ يُرِدِ اللَّهُ أَنْ يَهْدِيَهُ يَشْرَحْ صَدْرَهُ لِلإِسْلامِ ) (الأنعام:125) ، وقال -صلى الله عليه وسلم-: ( وَجُعِلَتْ قُرَّةُ عَيْنِي في الصَّلاةِ ) (رواه النسائي، وحسنه الألباني) ، وقال -صلى الله عليه وسلم-: ( يَا بِلاَلُ، أَقِمِ الصَّلاَةَ، أَرِحْنَا بِهَا ) (رواه أبو داود، وصححه الألباني) ، وقال -تعالى-: ( أَلا بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ ) (الرعد:28) ، وقال -تعالى-: ( الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ ) (الأنفال:2) .
وكذلك من غذاء القلب: البُعد عن المعاصي، فإنها تنقص الإيمان، كما يزيد العمل الصالح من الإيمان، ومن ذلك: التوبة إلى الله -عز وجل-، وكثرة الاستعانة والدعاء، وغير ذلك من العمل الصالح.
وتحقيق حاجة البدن بالطعام والشراب والراحة والزواج، وغير ذلك من احتياجات جعل الله -عز وجل- للبدن حاجة فيها، قال -صلى الله عليه وسلم-: ( فَإِنَّ لِجَسَدِكَ عَلَيْكَ حَقًّا ) (متفق عليه) .
وينبغي عليه أن يدفعَ عنه الآفات التي تضعفه وترهقه وتؤذيه، ويحفظـَه معافى قادرًا على تحصيل احتياجاته الدنيوية والأخروية من الصلاة والصيام والحج والجهاد وغير ذلك.
وكذلك تحقيق التوازن بين العمل للدنيا والعمل للآخرة، فلا ينقطع العبد للعبادة دون السعي في الأرض، ولا يترك العبادة من أجل السعي في الأرض، قال الله -تعالى-: ( يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نُودِيَ لِلصَّلاةِ مِنْ يَوْمِ الْجُمُعَةِ فَاسَعَوْا إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ وَذَرُوا الْبَيْعَ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ. فَإِذَا قُضِيَتِ الصَّلاةُ فَانْتَشِرُوا فِي الأَرْضِ وَابْتَغُوا مِنْ فَضْلِ اللَّهِ وَاذْكُرُوا اللَّهَ كَثِيراً لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ ) (الجمعة:9-10) ، وقال -تعالى-: ( وَابْتَغِ فِيمَا آتَاكَ اللَّهُ الدَّارَ الآخِرَةَ وَلا تَنْسَ نَصِيبَكَ مِنَ الدُّنْيَا وَأَحْسِنْ كَمَا أَحْسَنَ اللَّهُ إِلَيْكَ وَلا تَبْغِ الْفَسَادَ فِي الأَرْضِ إِنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ الْمُفْسِدِينَ ) (القصص:77) .
وفي حديث حنظلة -رضي الله عنه- وفيه: قال: فقلت: نَافَقَ حَنْظَلَةُ يَا رَسُولَ اللَّهِ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-: ( وَمَا ذَاكَ؟ ) قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، نَكُونُ عِنْدَكَ تُذَكِّرُنَا بِالنَّارِ وَالْجَنَّةِ حَتَّى كَأَنَّا رَأْيُ عَيْنٍ؛ فَإِذَا خَرَجْنَا مِنْ عِنْدِكَ؛ عَافَسْنَا الْأَزْوَاجَ وَالْأَوْلَادَ وَالضَّيْعَاتِ، نَسِينَا كَثِيرًا، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-: ( وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ إِنْ لَوْ تَدُومُونَ عَلَى مَا تَكُونُونَ عِنْدِي وَفِي الذِّكْرِ؛ لَصَافَحَتْكُمْ الْمَلاَئِكَةُ عَلَى فُرُشِكُمْ وَفِي طُرُقِكُمْ، وَلَكِنْ يَا حَنْظَلَةُ سَاعَةً وَسَاعَةً ) ثَلاثَ مَرَّاتٍ. (رواه مسلم) .
وعن أنس بن مالك -رضي الله عنه- قال: جَاءَ ثَلاَثَةُ رَهْطٍ إِلَى بُيوتِ أَزْوَاجِ النَّبِيِّ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- يَسْأَلُونَ عَنْ عِبَادَةِ النَّبِيِّ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-، فَلَمَّا أُخْبِرُوا كَأَنَّهُمْ تَقَالُّوهَا، فَقَالُوا: "وَأَيْنَ نَحْنُ مِنَ النَّبِيِّ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-، قَدْ غُفِرَ لَهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِهِ وَمَا تَأَخَّرَ؟!"، قَالَ أَحَدُهُمْ: "أَمَّا أَنَا فَإِنِّي أُصَلِّي اللَّيْلَ أَبَدًا"، وَقَالَ آخَرُ: "أَنَا أَصُومُ الدَّهْرَ، وَلاَ أُفْطِرُ"، وَقَالَ آخَرُ: "أَنَا أَعْتَزِلُ النِّسَاءَ، فَلاَ أَتَزَوَّجُ أَبَدًا"، فَجَاءَ رَسُولُ اللهِ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-، فَقَالَ: ( أَنْتُمُ الَّذِينَ قُلْتُمْ كَذَا وَكَذَا، أَمَا -وَاللهِ- إِنِّي لأَخْشَاكُمْ للهِ وَأَتْقَاكُمْ لَهُ، لكِنِّي أَصُومُ وَأُفْطِرُ، وَأُصَلِّي وَأَرْقُدُ، وَأَتَزَوَّجُ النِّسَاءَ، فَمَنْ رَغِبَ عَنْ سُنَّتِي؛ فَلَيْسَ مِنِّي ) (متفق عليه) .
