صفحات عن سقوط الخلافة (1- 2)
ياسر عبد التواب • السيرة والتاريخ
الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد،
دعونا نتأمل في بعض صفحات من التاريخ عسى أن يجدي ذلك نفعاً أو يصقل وعياً، فما أشبه الليلة بالبارحة!!
وصفحات الصراع المعاصر بيننا وبين الغرب هي حلقات ممتدة يغفل عنها أبناء أمتنا؛ لكونهم لا يربطون بين السياسات الحالية والأفكار المسبقة التي يتعامل بها الغرب وسياسيوه؛ هم يقرؤون التاريخ جيداًَ، ويتعاملون معنا على أساس حلقاته، بينما نحن نقطع التاريخ عن جذوره، ونتعامل مع كل سياسي، أو ننظر لكل حدث على أنه حالة منفردة لا ترتبط بنتاج فكري لمن سبقوه، أو تندرج تحت قائمة المشاريع الإستراتيجية للقوم .
والغريب أن أمة مثلنا لها تاريخها الذي تفخر به تُهمل النظرَ في التاريخ عموماً، بينما أمتهم التي خرجت لتوها من مخازي تاريخية وسوءات فكرية لا تزال تتعامل مع التاريخ كوحدة واحدة .
دعونا نجمل شيئاً من الصراع لما حدث في تلك الحقبة من اعتداءات، ثم نتحدث عن المنظمات المنبثقة عن ذلك الصراع، وانعكاسات ذلك على أمتنا.
لقد شهد وقت سقوط الخلافة تكالب الدول الاستعمارية على ميراث الدولة العثمانية "المريضة"، فاحتلت إيطاليا ليبيا عام 1911م، وتنضم بذلك إلى زمرة الدول الاستعمارية، ويقتطع جزء عزيز من جسد أمتنا العربية والإسلامية، وفعلت فرنسا وإنجلترا الشيء نفسه في أملاك الدولة العثمانية في أوروبا وآسيا وأفريقيا، مما اضطرها إلى التحالف مع ألمانيا خلال الحرب العالمية الأولى؛ لتوقف النهب الذي تمارسه فرنسا وبريطانيا لأراضيها؛ وخاضت بالتالي معارك في سوريا ولبنان والعراق وفلسطين، وأصبحت واقعة بين نيراني الدول الأوربية الاستعمارية من الخارج، والثورة العربية من الداخل والتي قادها الشريف حسين والعرب الذين خدعتهم إنجلترا ومنتهم بالاستقلال بعد انتصارها على الألمان، وكان بطل الخديعة لورانس العرب.
في هذه الأثناء زاد الروس من إحكام سيطرتهم على حقول النفط في أذربيجان تحسباً لثورة سكانها المسلمين، ونزلت القوات البريطانية شط العرب في العراق، وبعد مقاومة عنيفة من الأهالي، وبفضل المدد الذي جاءها من مستعمراتها في شبه القارة الهندية استطاعت هزيمة الدولة العثمانية، ودخول بغداد عام 1917م، وحشْد أفراد الشعب العراقي للقيام بأعمال السخرة خدمة للمجهود الحربي.
ووقف الأمير فيصل بن الحسين مع الإنجليز حينما أغراه لورانس العرب بنقل الخلافة من الأتراك إلى العرب، وفى الخفاء كان يتم اقتسام الغنيمة، فكانت اتفاقية سايكس بيكو عام1916م التي تقاسمت بموجبها إنجلترا وفرنسا عالمنا العربي.
وتستمر الأحداث؛ وتفرض الحماية البريطانية على مصر، ويدخل الإنجليز بقيادة الجنرال اللنبى إلى فلسطين، ويحتل القدس الشريف تمهيداً لتنفيذ وعد بلفور على أرض الواقع بفتح باب الهجرة اليهودية إلى فلسطين.
وفى استانبول عاصمة الخلافة يدخل الجنرال الفرنسي "فرجيه" بعد هزيمة الدولة العثمانية في البلقان وتوقيع معاهدة ميدروس عام 1918م. وقبل أن تنتهي الحرب دخلت الولايات المتحدة الأمريكية الميدان لتشارك في القضاء على آخر أمل لألمانيا في النصر.
أما الجنرال الفرنسي "جورو" الذي دخلت قواته سوريا فقد توجه على الفور إلى دمشق، وبالتحديد إلى قبر صلاح الدين الأيوبي، وقال مقولته المشهورة: "ها قد عدنا يا صلاح الدين". كأنه يقصد الانتقام لأجداده الصليبيين الذين هزمهم صلاح الدين في معركة حطين الخالدة وأجلاهم عن بيت المقدس، وحرر المسجد الأقصى من دنسهم.
قسمت التركة إذن مع الأسف، ودفعنا ثمناً باهظاً من أموالنا لتلك الحرب، ومما يحزن أنهم استخدمونا لقتال بعضنا، فلقي الجيش التركي المسلم هزيمته على يد إخوانه العرب في العراق أو في فلسطين.
عصبة الأمم :
نشأت عصبة الأمم كنتاج للحرب العالمية الأولى، وكانت الرغبة المعلنة في ذلك الوقت هي العمل على الحيلولة دون تكرر مثل ذلك الحدث مرة أخرى.
وكانت فكرة إنشاء ذلك التجمع قد ساقها الرئيس الأمريكي "ودرو ولسون" في رسالة وجهها إلى الكونجرس الأمريكي "يناير 1918م"، اشتملت على أربع عشرة نقطة، نصت النقطة الأخيرة فيها على أنه: "يجب إنشاء منظمة عامة للأمم، بهدف إعطاء ضمانات متبادلة للاستقلال السياسي والسلامة الإقليمية للدول الكبرى والصغرى".
أما حلفاء أمريكا -فرنسا وإنجلترا- فقد بديتا غير شغوفتين بتلك الدعوة، ومن الغريب أنه عندما عقد الاجتماع التأسيس الأول للعصبة في يناير 1920م -بباريس- لم تشارك الولايات المتحدة نفسها في ذلك الاجتماع؛ نظراً لمعارضة الكونجرس لاتفاقية "فرساي" من الأساس!
الميثاق والعضوية لعصبة الأمم ( 2):
أهم المبادئ التي تضمنها ميثاق العصبة هي:
- أن تقبل الدول بالالتزام بعدم العودة إلى الحروب.
- أن تقوم العلاقات بينهما على أساس العدالة والشرف.
- أن تلتزم باحترام قواعد القانون الدولي العام.
- أن تحقق العدالة وتحترم الالتزامات التي تقرر في المعاهدة.
العضوية:
دول الحلفاء الذين وقعوا على معاهدة 1919م-1920م.
الدول التي بقيت محايدة أثناء الحرب شاركت في التوقيع على الميثاق والتصديق عليه خلال شهرين!
كل دولة مستقلة قبلت الالتزامات الدولية الناجمة عن الميثاق، ووافقت الجمعية على عضويتها بأغلبية الثلثين.
تعليق:
- يثير الحفيظة كثيراً تناقض المبادئ المعلنة مع حقيقة ما يحدث، فعندما تتكرر كلمة العدالة والشرف وعدم العودة إلى الحروب، يشعر الناس بطمأنينة، فإذا نظروا إلى واقع ما يحدث، فوجئوا بالوجه السافر للظلم والعدوان.
فمع ظهور عصبة الأمم ظهرت مصطلحات جديدة كـ "الانتداب"، و"الوصاية"، و"الحماية"، فهل بدا للمؤتمرين أن أيسر الطرق لمزيد من امتصاص خيرات الشعوب هو خداع الناس بمصطلحات برَّاقة تخفي في ظنهم ما يفعلون؟! وهم بجهلهم يجهلون أن ذلك لا ينطلي إلا على السفهاء، بينما لا يزيد العقلاء إلا حُنقاً، ولكن العقلاء ليس بيدهم مع الأسف قوة يدافعون بها عن الحق الذي يعتقدون. لَكَمْ يكون مؤلماً حقاً عندما تجد إقرار عصبة الأمم لاحتلال البلاد حيث في ظلها:
أ- استولت إيطاليا على ليبيا.
ب- استكملت فرنسا سيطرتها على الشمال الإفريقي.
