حديث الأنبياء (5) اللين والتسامح في دعوتهم (محمد -صلى الله عليه وسلم-)
خالد آل رحيم • مع الدعاة
الحمد لله، والصلاة
والسلام على رسول الله، أما بعد؛
فإن اللين والتسامح
أصل الشرائع التي أنزلها المولى -تعالى-؛ ولذلك كان أمره -جل وعلا- لكل أنبيائه
بهذا، ومنهم محمد -صلى الله عليه وسلم- حين قال له: ( ادعُ
إِلى سَبيلِ رَبِّكَ بِالحِكمَةِ وَالمَوعِظَةِ الحَسَنَةِ وَجادِلهُم بِالَّتي
هِيَ أَحسَنُ إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعلَمُ بِمَن ضَلَّ عَن سَبيلِهِ وَهُوَ أَعلَمُ
بِالمُهتَدينَ ) (النحل: 125) .
قال
السعدي -رحمه الله-: "أي: ليكن دعاؤك للخلق مسلمهم وكافرهم إلى سبيل ربك المستقيم المشتمل على
العلم النافع والعمل الصالح، ( بِالحِكمَةِ ) أي: كل
أحد على حسب حاله وفهمه، وقوله وانقياده. ومن الحكمة: الدعوة بالعلم لا بالجهل،
والبداءة بالأهم فالأهم، وبالأقرب إلى الأذهان والفهم، وبما يكون قبوله أتم، وبالرفق
واللين، فإن انقاد بالحكمة وإلا فينتقل معه بالدعوة بالموعظة الحسنة، وهو الأمر
والنهي المقرون بالترغيب والترهيب؛ إما بما تشتمل عليه الأوامر من المصالح
وتعدادها، والنواهي من المضار وتعدادها.
وإما بذكر إكرام مَن
قام بدين الله وإهانة مَن لم يقم به، وإما بذكر ما أعد الله للطائعين من الثواب
العاجل والآجل، وما أعد للعاصين من العقاب العاجل والآجل، فإن كان المدعو يرى أن
ما هو عليه حق، أو كان داعيه إلى الباطل فيجادَل بالتي هي أحسن، وهي الطرق التي
تكون أدعى لاستجابته عقلًا ونقلًا.
ومِن ذلك: الاحتجاج
عليه بالأدلة التي كان يعتقدها؛ فإنه أقرب إلى حصول المقصود، وأن لا تؤدي المجادلة
إلى خصام أو مشاتمة تذهب بمقصودها، ولا تحصل الفائدة منها، بل يكون القصد منها
هداية الخلق إلى الحق لا المغالبة ونحوها.
وقال -تعالى-
مخبرًا عن أخلاقه -صلى الله عليه وسلم-: ( فَبِمَا
رَحْمَةٍ مِّنَ اللَّـهِ لِنتَ لَهُمْ وَلَوْ كُنتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ
لَانفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاسْتَغْفِرْ لَهُمْ وَشَاوِرْهُمْ
فِي الْأَمْرِ فَإِذَا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّـهِ إِنَّ اللَّـهَ
يُحِبُّ الْمُتَوَكِّلِينَ ) (آل عمران:159) ؛ ولذلك كان النبي -صلى
الله عليه وسلم- متمثلًا هذا الأمر، وينزله واقعًا عمليًّا في مواقف كثيرة، نذكر
طرفًا منها:
مع عدي بن حاتم -رضي الله عنه-:
لما قَدِم عليه عدي
بن حاتم الطائي دعاه إلى منزله، فألقيت إليه الجارية وسادة يجلس عليها فجعلها بينه
وبين عدي، وجلس على الأرض، قال عدي: "وعرفت أنه ليس بملك".
ومع أبي رافع:
أرسلت قريشٌ أبا
رافع برسالة إلى النبي -صلى الله عليه وسلم-، فأراد الإسلام والمقام عند النبي -صلى
الله عليه وسلم-، وألا يرجع إليهم، فقال له -صلى الله عليه وسلم-: ( إِنِّي لَا أَخِيسُ بِالْعَهْدِ وَلَا أَحْبِسُ الْبُرُدَ، وَلَكِنِ
ارْجِعْ فَإِنْ كَانَ فِي نَفْسِكَ الَّذِي فِي نَفْسِكَ الْآنَ فَارْجِعْ )،
قَالَ: فَذَهَبْتُ، ثُمَّ أَتَيْتُ النَّبِيَّ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- فَأَسْلَمْتُ.
(رواه أبو داود، وصححه الألباني) .
إنه لم يذكر رجل في
التاريخ في حالة حرب، وهو في قلة من العدد والعتاد، وفي ضعف ومع ذلك يأبى أن ينقض
عهدًا حتى ولو كان في صالحه، وحتى لو كان محتاجًا لرجل يقاتل معه في هذه الظروف
العصيبة، فلا يفعل ذلك إلا محمد -صلى الله
عليه وسلم- الوفي الصادق الأمين، والذي شُهد له بذلك حتى مِن أعتى أعدائه، فعن ابن
عباس -رضي الله عنهما-: أن هرقل سأل أبا سفيان -وكان آنذاك على الكفر- عن النبي -صلى
الله عليه وسلم-: هل يغدر؟ فقال أبو سفيان: "لا"، فقال هرقل: "وكذلك
الرسل لا تغدر" (رواه البخاري) .
مع أبي قحافة -رضي الله عنه-:
قالت أسماء بنت أبي
بكر -رضي الله عنها-: لما دخل رسول الله -صلى الله عليه وسلم- مكة، ودخل المسجد
أتى أبو بكر بأبيه يقوده، فلما رآه رسول الله -صلى الله عليه وسلم-، قال: ( هَلَّا تَرَكْتَ الشَّيْخَ فِي بَيْتِهِ حَتَّى أَكُونَ أَنَا آتِيهِ )،
قَالَ أَبُو بَكْرٍ -رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ-: يَا رَسُولَ اللَّهِ، هُوَ أَحَقُّ أَنْ
يَمْشِي إِلَيْكَ مِنْ أَنْ تَمْشِي إِلَيْهِ، قَالَ: فَأَجْلَسَهُ بَيْنَ يَدَيْهِ،
ثُمَّ مَسَحَ صَدْرَهُ، ثُمَّ قَالَ لَهُ: ( أَسْلِمْ )،
فَأَسْلَمَ، قَالَتْ: وَدَخَلَ بِهِ أَبُو بَكْرٍ -رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ- عَلَى رَسُولِ
اللَّهِ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- وَكَأَنَّ رَأْسَهُ ثَغَامَةٌ، فَقَالَ
رَسُولُ اللَّهِ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-: ( غَيِّرُوا
هَذَا مِنْ شَعْرِهِ ) (رواه أحمد وابن
حبان، وحسنه الألباني) .
وفي هذا الخبر منهج
نبوي كريم سنَّه النبيُّ -صلى الله عليه وسلم- في توقير كبار السن واحترامهم، ويؤكِّد
ذلك قوله -صلى الله عليه وسلم-: ( لَيْسَ مِنَّا مَنْ لَمْ
يَرْحَمْ صَغِيرَنَا وَيُوَقِّرْ كَبِيرَنَا ) (رواه الترمذي، وصححه الألباني) .
وقال أنس
-رضي الله عنه-: "لَمْ يَكُنْ شَخْصٌ أَحَبَّ إِلَيْهِمْ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى
اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وَكَانُوا إِذَا رَأَوْهُ لَمْ يَقُومُوا لِمَا يَعْلَمُونَ
مِنْ كَرَاهِيَتِهِ لِذَلِكَ" (رواه الترمذي،
وصححه الألباني) .
وعن جابر
بن سمرة -رضي الله عنه- قيل له: "أَكُنْتَ تُجَالِسُ رَسُولَ اللهِ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ
وَسَلَّمَ-؟ قَالَ: نَعَمْ كَثِيرًا، كَانَ لَا يَقُومُ مِنْ مُصَلَّاهُ الَّذِي يُصَلِّي
فِيهِ الصُّبْحَ حَتَّى تَطْلُعَ الشَّمْسُ، فَإِذَا طَلَعَتْ قَامَ وَكَانُوا يَتَحَدَّثُونَ،
فَيَأْخُذُونَ فِي أَمْرِ الْجَاهِلِيَّةِ فَيَضْحَكُونَ وَيَتَبَسَّمُ -صَلَّى اللهُ
عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-" (رواه مسلم) .
مع معاوية بن الحكم
السلمي -رضي الله عنه- قال: بَيْنَا أَنَا أُصَلِّي مَعَ رَسُولِ اللهِ -صَلَّى اللهُ
عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-، إِذْ عَطَسَ رَجُلٌ مِنَ الْقَوْمِ، فَقُلْتُ: يَرْحَمُكَ اللهُ
فَرَمَانِي الْقَوْمُ بِأَبْصَارِهِمْ، فَقُلْتُ: وَاثُكْلَ أُمِّيَاهْ، مَا شَأْنُكُمْ؟