شعار المكتبة الرقمية للدعوة السلفية
دخول ♡ قبسات

حديث الأنبياء (5) اللين والتسامح في دعوتهم (محمد -صلى الله عليه وسلم-)

خالد آل رحيم • مع الدعاة

تَنْظُرُونَ إِلَيَّ، فَجَعَلُوا يَضْرِبُونَ بِأَيْدِيهِمْ عَلَى أَفْخَاذِهِمْ، فَلَمَّا

رَأَيْتُهُمْ يُصَمِّتُونَنِي لَكِنِّي سَكَتُّ، فَلَمَّا صَلَّى رَسُولُ اللهِ -صَلَّى

اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-، فَبِأَبِي هُوَ وَأُمِّي، مَا رَأَيْتُ مُعَلِّمًا قَبْلَهُ

وَلَا بَعْدَهُ أَحْسَنَ تَعْلِيمًا مِنْهُ، فَوَاللهِ، مَا كَهَرَنِي وَلَا ضَرَبَنِي

وَلَا شَتَمَنِي، قَالَ: ( إِنَّ هَذِهِ الصَّلَاةَ لَا يَصْلُحُ

فِيهَا شَيْءٌ مِنْ كَلَامِ النَّاسِ، إِنَّمَا هُوَ التَّسْبِيحُ وَالتَّكْبِيرُ وَقِرَاءَةُ

الْقُرْآنِ ) أَوْ كَمَا قَالَ رَسُولُ اللهِ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-.

(رواه مسلم) .

وفيه بيان ما كان عليه

رسول الله -صلى الله عليه وسلم- من عظيم الخلق الذي شهد الله -تعالى- له به، ورفقه

بالجاهل، ورأفته بأمته، وحسن تعليمه واللطف به، وتقريب الصواب إلى فهمه" (شرح النووي) .

مع مالك بن عوف -رضي الله عنه-:

كان مالك بن عوف -رضي

الله عنه- سيدًا من سادات هوازن، وكان شديد العداوة لرسول الله -صلى الله عليه

وسلم-، وعندما رأى من النبي -صلى الله عليه وسلم- الخُلُق الجميل أسلم، فعندما لحق

النبي -صلى الله عليه وسلم- فأدركه بالجعرانة أو بمكة فرد عليه أهله وماله، وأعطاه

مائة من الإبل أسلم وحسن إسلامه.

مع الأعرابي الذي بال في المسجد:

عن أبي

هريرة -رضي الله عنه-: أن أعرابيًّا بال في المسجد، فثار إليه الناس ليقعوا به،

فقال لهم رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: ( دَعُوهُ، وَأَهْرِيقُوا

عَلَى بَوْلِهِ ذَنُوبًا مِنْ مَاءٍ، أَوْ سَجْلًا مِنْ مَاءٍ، فَإِنَّمَا بُعِثْتُمْ

مُيَسِّرِينَ وَلَمْ تُبْعَثُوا مُعَسِّرِينَ ) (متفق عليه) .

وكان ذلك شأنه -صلى

الله عليه وسلم- في حق كلِّ مَن بعثه إلى جهة من الجهات، يقول: ( يَسِّرُوا وَلاَ تُعَسِّرُوا ) (متفق عليه) .

مع الأعرابي الذي أراد قتله:

عن جابر بن عبد الله

-رضي الله عنهما-: أَنَّهُ غَزَا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-

قِبَلَ نَجْدٍ، فَلَمَّا قَفَلَ رَسُولُ اللَّهِ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-

قَفَلَ مَعَهُ، فَأَدْرَكَتْهُمُ القَائِلَةُ فِي وَادٍ كَثِيرِ العِضَاهِ، فَنَزَلَ

رَسُولُ اللَّهِ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- وَتَفَرَّقَ النَّاسُ يَسْتَظِلُّونَ

بِالشَّجَرِ، فَنَزَلَ رَسُولُ اللَّهِ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- تَحْتَ سَمُرَةٍ

وَعَلَّقَ بِهَا سَيْفَهُ، وَنِمْنَا نَوْمَةً، فَإِذَا رَسُولُ اللَّهِ -صَلَّى اللهُ

عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- يَدْعُونَا، وَإِذَا عِنْدَهُ أَعْرَابِيٌّ، فَقَالَ: ( إِنَّ هَذَا اخْتَرَطَ عَلَيَّ سَيْفِي، وَأَنَا نَائِمٌ، فَاسْتَيْقَظْتُ

وَهُوَ فِي يَدِهِ صَلْتًا، فَقَالَ: مَنْ يَمْنَعُكَ مِنِّي؟ فَقُلْتُ: اللَّهُ )

-ثَلاَثًا- وَلَمْ يُعَاقِبْهُ وَجَلَسَ. (متفق عليه) .

وفي هذه دلالة واضحة

على قوة يقينه وصبره -صلى الله عليه وسلم- على الأذى، وحلمه على الجهال وشدة رغبته

في استئلاف الكفار ليدخلوا في الإسلام؛ ولهذا ذكر أن هذا الأعرابي رجع إلى قومه

واهتدى به خلق كثير.

وقد واجهه الأعرابي

بالجفاء وسوء الأدب، فحلم فصفح، وقد أمتثل أمر ربه في قوله: ( فَاصْفَحْ الصَّفْحَ الْجَمِيلَ ) (الحجر: 85) ، فكان لا يكافىء على السيئة بالسيئة، بل يعفو

ويصفح، وكان لا ينفذ غضبه إذا كان لنفسه، ولا ينتقم لشخصه، بل إذا غضب ازداد حلمًا،

وربما تبسَّم في وجه مَن أغضبه!

عـَدُوُّكَ مَـذمـومٌ بِـكُـلِّ

لِــسَــان وَلَو كانَ مِن أَعدائِكَ

القَـمَران

وَلِـلَّـهِ سـِرٌّ فـي عُـلاكَ

وَإِنَّـما كَـلامُ العِدا

ضَربٌ مِنَ الهَذَيانِ

- عن أبي

سعيد الخدري -رضي الله عنه- قال: جَاءَ أَعْرَابِيٌّ إِلَى النَّبِيِّ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ

وَسَلَّمَ- يَتَقَاضَاهُ دَيْنًا كَانَ عَلَيْهِ، فَاشْتَدَّ عَلَيْهِ، حَتَّى قَالَ

لَهُ: أُحَرِّجُ عَلَيْكَ إِلَّا قَضَيْتَنِي، فَانْتَهَرَهُ أَصْحَابُهُ، وَقَالُوا:

وَيْحَكَ تَدْرِي مَنْ تُكَلِّمُ؟ قَالَ: إِنِّي أَطْلُبُ حَقِّي، فَقَالَ النَّبِيُّ

-صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-: ( هَلَّا مَعَ صَاحِبِ

الْحَقِّ كُنْتُمْ؟ )، ثُمَّ أَرْسَلَ إِلَى خَوْلَةَ بِنْتِ قَيْسٍ فَقَالَ

لَهَا: ( إِنْ كَانَ عِنْدَكِ تَمْرٌ فَأَقْرِضِينَا حَتَّى

يَأْتِيَنَا تَمْرُنَا فَنَقْضِيَكِ )، فَقَالَتْ: نَعَمْ، بِأَبِي أَنْتَ يَا

رَسُولَ اللَّهِ، قَالَ: فَأَقْرَضَتْهُ، فَقَضَى الْأَعْرَابِيَّ وَأَطْعَمَهُ، فَقَالَ:

أَوْفَيْتَ، أَوْفَى اللَّهُ لَكَ، فَقَالَ: ( أُولَئِكَ خِيَارُ

النَّاسِ، إِنَّهُ لَا قُدِّسَتْ أُمَّةٌ لَا يَأْخُذُ الضَّعِيفُ فِيهَا حَقَّهُ غَيْرَ

مُتَعْتَعٍ ) (رواه ابن ماجه، وصححه الألباني) .

وصدق الله -تعالى-

حين قال: ( خُذْ الْعَفْوَ وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ

وَأَعْرِضْ عَنْ الْجَاهِلِينَ ) (الأعراف:199) ، قال النسفي: "ولا

تكافئ السفهاء بمثل سفههم، ولا تمارهم، واحلم عليهم" (تفسير النسفي) .

- وعن

قيس بن أبي حازم -رضي الله عنه-: أَتَى النَّبِيَّ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- رَجُلٌ،

فَكَلَّمَهُ، فَجَعَلَ تُرْعَدُ فَرَائِصُهُ، فَقَالَ لَهُ: ( هَوِّنْ عَلَيْكَ، فَإِنِّي لَسْتُ بِمَلِكٍ، إِنَّمَا أَنَا ابْنُ

امْرَأَةٍ تَأْكُلُ الْقَدِيد ) (رواه ابن

ماجه، وصححه الألباني) .

- وعن

أنس -رضي الله عنه- قال: "مَا رَأَيْتُ رَجُلًا الْتَقَمَ أُذُنَ رَسُولِ اللَّهِ

-صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- فَيُنَحِّي رَأْسَهُ، حَتَّى يَكُونَ الرَّجُلُ

هُوَ الَّذِي يُنَحِّي رَأَسَهُ، وَمَا رَأَيْتُ رَجُلًا أَخَذَ بِيَدِهِ فَتَرَكَ

يَدَهُ، حَتَّى يَكُونَ الرَّجُلُ هُوَ الَّذِي يَدَعُ يَدَهُ" (رواه أبو داود، وحسنه الألباني) .

وإلى اللقاء في

الحلقة القادمة -إن شاء الله-.

الصفحة السابقة