حقيقة التلازم بين الأشاعرة والمذهب الشافعي (3)
أحمد حسين أبو مالك • المنهج السلفي
الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد؛
فإن إثبات الصفات عند أهل السنة والجماعة مِن جملة مفهوم التوحيد، فمفهوم التوحيد يتضمن إثبات أسمائه الحسنى وصفاته العليا على ما يليق بكماله وجلاله وعظمته، وهو أصل من أصول الإيمان كما بيَّن شيخ الإسلام ابن تيمية -رحمه الله- فقال: "نؤمن بكل ما وصف الله به نفسه أو وصفه به رسوله من غير تعطيل ولا تحريف، ولا تكييف ولا تشبيه".
إذًا فالصفات عند أهل السنة والجماعة من الإيمان الذي هو قول وعمل، فيترتب على معرفه الله -عز وجل- بأسمائه وصفاته عبادات عظيمة من خوف ورجاء ومحبة، والكثير من عبادات القلوب، وبالتأمل في عبارة شيخ الإسلام السابقة نجد توفيق الله -عز جل- له في اختيار الألفاظ التي تعبر عن عقيدة أهل السنّة والجماعة بإيجازٍ شديدٍ ويسرٍ تامٍّ.
-(نؤمن): يشير بها إلى هذا النوع من التوحيد وثيق الصلة بالقلب والجنان؛ لذا لم يقل: "وصف" أو "نثبت"، وفصل الكلام في الأسماء والصفات عن التعبد القلبي جاء ثمرة مُرة لدخول الفلسفة وعلم الكلام في مسائل التوحيد، وهذا مما جنيناه من علم الكلام الذي ما جرَّ على الأمة إلا ضياع الأوقات والأعمار فيما لا يفيد ولا يغني، وأصبح تدريسه وتوضيحه للناس من المعضلات، بل والله قراءة أقوالهم والنظر في كتبهم لمجرد الرد عليهم مما تضيق به الصدور.
- (ما وصف الله به نفسه أوصفه به رسوله): إشارة إلى مصدر التلقي في مسائل الأسماء والصفات الكتاب والسنة.
- (من غير): إشارة إلى أربعة محذورات يجب الحذر منها عند الحديث في الأسماء والصفات، وهي: التعطيل والتحريف، والتكييف والتشبيه، وقد وقع في كل محذور فرقٌ من أهل البدع.
قال شيخ الإسلام ابن تيمية -رحمه الله-: "ومذهب السلف: أنهم يصفون الله بما وصف به نفسه وبما وصفه به رسوله من غير تحريف ولا تعطيل، ومن غير تكييف ولا تمثيل، ونعلم أن ما وصف الله به من ذلك فهو حق ليس فيه لغز ولا أحاجي، بل معناه يعرف من حيث يعرف مقصود المتكلم بكلامه... وهو سبحانه مع ذلك ليس كمثله شيء؛ لا في نفسه المقدسة المذكورة بأسمائه وصفاته ولا في أفعاله) (مجموع الفتاوى) .
وقال الإمام الذهبي -رحمه الله-: "هذه الصفات من الاستواء والإتيان والنزول قد صحت بها النصوص ونقلها الخلف عن السلف، ولم يتعرضوا لها برد ولا تأويل، بل أنكروا على مَن تأولها مع اتفاقهم على أنها لا تشبه نعوت المخلوقين، وأن الله ليس كمثله شيء".
وسنتناول في هذا المقال أقوال الشافعية الأوائل في الصفات الذاتية والصفات الفعلية.
معنى الاسم والصفة:
الاسم: هو اللفظ الدالُّ على الشيء، كما في قوله -تعالى-: ( وَعَلَّمَ آدَمَ الْأَسْمَاءَ كُلَّهَا ) (البقرة:31) ، وهو ما دلَّ على معنىً في نفسه غير مقترنٍ بأحد الأزمنة الثلاثة.
أما الصِّفةُ: فهي الاسم الدالّ على بعض أحوال الذات، نحو طويلٍ وقصيرٍ، وعاقلٍ، وغيرها.
والمقصود بأسماء الله: ما دل على مجرَّدِ الذات العليّة كلفظ: (الله).
وبالصِّفات: ما دلَّ على صفةٍ من صفاته -سبحانه-: كالعالم، والقادر، وقد تجتمع الاسميّةُ والوصفّيةُ في بعض الألفاظ: كالرحمن؛ فالرحمن من أسماء -تعالى- كما ورد في قوله -تعالى-: ( جَنَّاتِ عَدْنٍ الَّتِي وَعَدَ الرَّحْمَنُ عِبَادَهُ بِالْغَيْبِ ) (مريم:61) ، وقوله -تعالى-: ( الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى ) (طه:5) ، وقد يكون لفظ الرحمن صفة كقوله -تعالى-: ( بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ ).
إفراد الله -عز وجل- بما له من الأسماء والصفات يتضمن شيئين:
الأول: الإثبات: وذلك بأن نُثبتَ لله -عزّ وجلّ- جميع أسمائه وصفاته التي أثبتها لنفسه في كتابه أو سنة نبيه -صلى الله عليه وسلم-.
الثاني: نفي المماثلة: وذلك بأن لا نجعل لله مثيلًا في أسمائه وصفاته، كما قال الله -تعالى-: ( لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ ) (الشورى:11) .
أولًا الصفات الذاتية: فهي التي لم يزل ولا يزال متصفًا بها، وهي نوعان: معنوية وخبرية، فالمعنوية مثل: الحياة، والعلم، والقدرة... وهذا على سبيل التمثيل لا الحصر.
وأما الصفات الخبرية، فمثل: اليدين والوجه والعينين، فالله -تعالى- له يدان ووجه وعينان، ولم يحدث له شيءٌ من ذلك بعد أن لم يكن، ولن ينفك عن شيء منه، كما أن الله لم يزل حيًّا ولا يزال حيًّا، لم يزل عالمًا ولا يزال عالمًا. وقد اصطلح العلماء على أن تسميتها الصفات الذاتية؛ لأنها ملازمة للذاتً، لا تنفك عنها.
فنجد هذا عند سلفية الشافعية، فمحمد بن خفيف الشيرازي يصنف كتابًا يقرر فيه طريقة أهل السنة في إثبات الصفات، ويسميه: (اعتقاد التوحيد بإثبات الأسماء وصفات).
وقال الإمام الأصبهاني -رحمه الله-: "ومذهب أهل السنة في إثبات ما أثبته الله لنفسه من الوجه واليد وسائر ما أخبر الله به عن نفسه، وليس قولنا: إن لله وجهًا ويدًا موجبًا التشبيه بخلقه أصلًا، بل كل ما أخبرنا به عن نفسه فهو حقه، وقوله الحق، نقول ما قال ولا نزيد شيئًا" (الحجة في بيان المحجة) .
ونقل عن أبي زرعة الرازي: "المعطلة النافية الذين ينكرون صفات الله عز وجل التي وصفه بها نفسه في كتابه أو على لسان نبيه صلى الله عليه وسلم في الصفات ويتأولونها بآرائهم المنكوسة على موافقة ما اعتقدوا من الضلالة وينسبون رواتها إلى التشبيه) فعدهم رحمه الله فرع من المعطلة وحكم على تأويلهم بالمنتكس ومعتقدهم بالضلال وهكذا كان قول أئمة العلم كابن المبارك ووكيع.