شعار المكتبة الرقمية للدعوة السلفية
دخول ♡ قبسات

حقيقة التلازم بين الأشاعرة والمذهب الشافعي (3)

أحمد حسين أبو مالك • المنهج السلفي

وها هو علم من أعلام السنن فقيه شافعي عثمان بن سعيد الدارمي (ت: 280 هـ)، يرد على تهمة التشبيه عن مسلك الإثبات فيقول في (الرد على بشر المريسي): "وكيف استجزت ‏أن تسمي أهل السنة والمعرفة بصفات الله المقدسة مشبهة إذا وصفوا الله بما وصف به نفسه في كتابه بالأشياء التي أسماؤها موجودة في صفات بني آدم بلا تكييف؟! ويلك إنما نصفه بالأسماء لا بالتكييف ولا التشبيه ‏كما يقال: إنه ملك كريم، عليم حكيم، رحيم لطيف، مؤمن، عزيز جبار متكبر، ‏وقد يجوز أن يُدْعَى البشر ببعض هذه الأسماء وإن كانت مخالفة لصفاتهم، فالأسماء فيها متفقة والتشبيه والكيفية مفترقة كما يقال: ليس في الدنيا مما في الجنة إلا الأسماء،‏ يعني في الشبه والطعم والذوق، والمنظر واللون، فإن كان كذلك فلا أبعد من الشبيه وأبعد،‏ فإن كنا مشبهة عندك أن وحدنا الله إلهًا واحدًا بصفات أخذناها عنه من كتابه، بما وصف به نفسه في كتابه، فالله في دعواكم أول المشبهين ‏نفسه ثم رسوله الذي أنبانا ذلك عنه، فلا تظلموا أنفسكم، ولا تكابروا العلم إذ جهلتم، فإن التسمية مِن التشبيه بعيدة".

فما نريده من هذا الكلام النفيس ما تقرر عندهم من إحالته لمَن رماه بالتشبيه إلى الكتاب والسنّة، وهذا من إحالة الفكرة بالفكرة، فإن كنا مشبهة -كما تقولون-، فما تلقينا ذلك إلا من كتاب ربنا وسنّة نبينا، وهذا ما توهمه ابن سينا، فقال: "التشبيه في نص الكتاب!".

فلم يكن تناول الشافعية الأوائل دون القرن السابع لمسألة الصفات وإثباتها من باب مجرد إثبات الألفاظ التي وردت بها النصوص دون معرفة معناها، بل يصرح عبد العزيز بن يحيي الكناني (ت: 240)، وهو صاحب الشافعي وجليسه في كتابه: (الرد على الزنادقة والجهمية): "يقول لي الجهمي: تقول إن لله وجهًا، وله نفس وله يد، فيقول: نعم، فيقول له: معنى وجه الله هو الله، ومعنى نفسه غيبه، ومعنى يده نعمته!".

‏وأما قوله في اليد: إنها نعمة، كما تقول العرب: لك عندي يد؛ فقد قال -تبارك وتعالى-: ( بِيَدِكَ الْخَيْرُ ) (آل عمران:26) ، وقال: ( يَدُ اللَّهِ فَوْقَ أَيْدِيهِمْ ) (الفتح:10) ، وقال: ( بَلْ يَدَاهُ مَبْسُوطَتَانِ ) (المائدة:64) . ‏

قال: "فزعم الجهمي: أن يد الله نعمته، فبدل قولًا غير الذي قيل له، فأراد الجهمي أن يبدل كلام الله إذا أخبر أن له يدًا بها ملكوت كل شيء، فبدل مكان اليد نعمة! وقال: العرب تسمي اليد نعمة. قلنا له: العرب تسمي النعمة يدًا، ‏وتسمي يد الإنسان يدًا، فإذا أرادت يد الذات جعلت على قولها علمًا ودليلًا يعقل بها السامع كلامها أنها أرادت يد الذات، ‏وإذا أرادت يد النعمة جعلت على قولها علمًا ودليلًا يعقل به السامع أنها تريد باليد النعمة، ‏ولا تجعل كلامها مشتبهًا على سامعه، ومن ذلك قول الشاعر: ناولت زيدًا بيدي عطية.

‏فدل بهذا القول على يد الذات المناولة، وبالياء حين قال (بيدي) فجعل الياء استقصاءً للعدد حين لم يكن ‏له غير يدين؛ فهذا قول العرب ومذهبها في لغاتها، فالله -تعالى- لم يسمِّ يدًا بنعمة ولم يسمِّ نعمةً يدًا، فسمى -سبحانه- في كتابه اليد يدًا، والنعمة نعمة، وذكر في الأحزاب نعمته على زيدٍ، ونعمة النبي عليه، وأخبر سبحانه عن يديه أنهما يدان وجعل الياء استقصاءً حين قال: ( مَا مَنَعَكَ أَنْ تَسْجُدَ لِمَا خَلَقْتُ بِيَدَيَّ ) (ص:75) ، فدل على أنهما يدا الذات، ولا تتعارف العرب في أشعارها ولغاتها إلا أن هاتين اليدين يدا الذات؛ لاستقصاء العدد بالياء.

وقال ابن خزيمة (ت: 311): "‏وزعمت الجهمية المعطلة: إن معنى قوله: ( بَلْ يَدَاهُ مَبْسُوطَتَانِ ) أي: نعمتاه، وهذا تبديل لا تأويل، والدليل على نقض دعواهم هذه أن نعم الله كثيرة ‏لا يحصيها الا الخالق البارئ، ولله يدان لا أكثر منهما، كما قال لإبليس -عليه لعنة الله-: ( مَا مَنَعَكَ أَنْ تَسْجُدَ لِمَا خَلَقْتُ بِيَدَيَّ )؛ فأعلمنا أنه -جل وعلا- خلق آدم بيديه، فمَن زعم أنه ‏خلق آدم بنعمته، كان مبدلًا لكلام الله".

فابن خزيمة -رحمه الله- جعل تأويلهم عين التبديل، ولم يسوغه؛ فالقائل بهذا القول جاهل بكتاب ربه، جاهل بلغة العرب.

ثانيًا: الصفات الفعلية:

وأما الصفات الفعلية، فيريدون بها: الصفات المتعلقة بالإرادة، أو المتعلقة بمشيئة الله -عز وجل- وقدرته، وضابطها -كما يقول البعض-: أنها الصفات التي إن شاء -عز وجل- فعلها، وإن شاء لم يفعلها، فهي صفات فعل يفعلها -عز وجل- متى شاء بإرادته، وهي ليست ملازمة لذاته، ومعنى عدم ملازمتها للذات: أنها قد تكون في حال دون حال، أو إن شئت قلتَ ليست لازمة لذاته، لا باعتبار نوعها، ولا باعتبار آحادها؛ فهو -عز وجل- يتصف بها حيث تقتضيها حكمته، وإن كان أصل هذه الصفات الفعلية ثابتًا له أزلًا وأبدًا، فإن الله -تعالى- لم يزل ولا يزال فعالًا لما يريد، مثل الاستواء على العرش، والنزول إلى السماء الدنيا، والمجيء للفصل بين العباد يوم القيامة؛ فهذه الصفات صفات فعلية تتعلق بمشيئته، إن شاء فعلها، وإن شاء لم يفعلها، كالاستواء على العرش والنزول إلى السماء الدنيا في كل ليلة وغيرها من الصفات التي أخبرنا الشرع عنها.

قال ابن القيم -رحمه الله-: "فأفعاله نوعان: لازمة، ومتعدية، كما دلَّت النصوص التي هي أكثر مِن أن تحصر على النوعين".

فالنوع الأول: الصفات الفعلية المتعدية، وهي ما تعدت لمفعولها بلا حرف جر، أو التي تتعدى إلى معمولها بدون واسطة، وسميت الصفات الفعلية المتعدية؛ لأنها تتعدى إلى الغير.

إذًا فضابطها: أنها ما لها تعلق بالمخلوق، مثل: صفة القدرة، والمشيئة، والرحمة، والعلم، والسمع، والبصر، ونحو ذلك من الصفات.

وأما النوع الثاني: الصفات الفعلية اللازمة، فهي ما تتعدى لمفعولها بحرف جر، وهي التي تتعلق بالذات الإلهية، أو التي لا تتعدى إلى الغير.

إذًا فضابطها: ما لا تتعلق بالمخلوق، من مثل: الصفات اللازمة: كالحياة، وغيرها، وعلى سبيل المثال: ننظر لأقوال أئمة المذهب في صفة العلو والاستواء.

الصفحة السابقة الصفحة التالية