شعار المكتبة الرقمية للدعوة السلفية
دخول ♡ قبسات

الدين الإبراهيمي بين الحقيقة والضلال (25)

الشيخ ياسر برهامي • المنهج السلفي

قصة بناء الكعبة (23)

الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد؛

قوله -تعالى-: ( وَإِذْ يَرْفَعُ إِبْرَاهِيمُ الْقَوَاعِدَ مِنَ الْبَيْتِ وَإِسْمَاعِيلُ رَبَّنَا تَقَبَّلْ مِنَّا إِنَّكَ أَنْتَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ . رَبَّنَا وَاجْعَلْنَا مُسْلِمَيْنِ لَكَ وَمِنْ ذُرِّيَّتِنَا أُمَّةً مُسْلِمَةً لَكَ وَأَرِنَا مَنَاسِكَنَا وَتُبْ عَلَيْنَا إِنَّكَ أَنْتَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ . رَبَّنَا وَابْعَثْ فِيهِمْ رَسُولًا مِنْهُمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِكَ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَيُزَكِّيهِمْ إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ . وَمَنْ يَرْغَبُ عَنْ مِلَّةِ إِبْرَاهِيمَ إِلَّا مَنْ سَفِهَ نَفْسَهُ وَلَقَدِ اصْطَفَيْنَاهُ فِي الدُّنْيَا وَإِنَّهُ فِي الْآخِرَةِ لَمِنَ الصَّالِحِينَ . إِذْ قَالَ لَهُ رَبُّهُ أَسْلِمْ قَالَ أَسْلَمْتُ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ ) (البقرة:127-131) .

في هذه الآيات بيان حال المؤمنين في إشفاقهم من عدم القبول؛ خوفًا من التقصير في العبادة ظاهرًا أو باطنًا، فآفات النفس الإنسانية لا يحيط بها إلا الله -سبحانه- الذي يعلم السر وأخفى، والذي يعلم مَن خَلَق، وما يُسِرُّه الإنسان في نفسه داخل في السر، فما هو أخفى مِن أعماق النفس البشرية العجيبة، وإراداتها الخفية التي تخفى على صاحبها، لا يطلع عليها إلا الله، فمن أين يجزم الإنسان لنفسه بالإخلاص والصدق حتى يجزم بالقبول؟!

وإذا كان خليل الله إبراهيم وابنه إسماعيل الرسول النبي -صلى الله عليهما وسلم- يبنيان لله بيته الحرام، ويخافان من عدم القبول؛ فكيف بحال مَن دونهما؟! فلن يدخل الجنة أحد بعمله؛ إلا أن يتغمدنا الله برحمته، وقد قال بعض السلف: "مَن ظن في عمله الإخلاص فهو يحتاج إلى الإخلاص".

ولا يزال المؤمن ينظر في عيوب عمله وآفات نفسه ويخشى مِن الرد وعدم القبول، ولا يأمن مكر الله على دخائل في نفسه لا يعلمها؛ قد تنمو مع الزمن، وقد تظهر مع الابتلاء، وحال إبليس عبرة وعظة لكل سائرٍ إلى الله، وهذا أمر عظيم الأهمية في لزوم التزكية، والتهذيب للنفس ودوام المراقبة والمراجعة، فاللهم لا ملجأ ولا منجى منك إلا إليك، قال الله -سبحانه وتعالى- ( وَالَّذِينَ يُؤْتُونَ مَا آتَوْا وَقُلُوبُهُمْ وَجِلَةٌ أَنَّهُمْ إِلَى رَبِّهِمْ رَاجِعُونَ ) (المؤمنون:60) ، قال النبي -صلى الله عليه وسلم-: ( الرَّجُلُ يَصُومُ وَيُصَلِّي وَيَتَصَدَّقُ، وَهُوَ يَخَافُ أَنْ لَا يُقْبَلَ مِنْهُ ) (رواه أحمد، وحسنه الألباني) .

وفي هذه الآيات الكريمات التعلُّق بأسماء الله وصفاته، ومشاهدة اطلاعه -سبحانه- بسمعه وعلمه على أقوال العباد وأعمالهم ودعائهم، وفيها عظم الرجاء في القبول؛ رغم التقصير والنقص والآفات.

ثم بيَّن -تعالى- أن الإسلام هو دين إبراهيم وبنيه -إسماعيل وإسحاق- وبعدهم يعقوب وذريتهم جميعًا، فكَذَب مَن نسب إلى إبراهيم دينًا غير دين الإسلام، وقد بيَّن -سبحانه- ارتباط دين الإسلام بالكعبة والحج إليها من زمن إبراهيم إلى يوم القيامة، أو إلى ما قبل ذلك بيسير؛ حين يهدم الكعبة ذو السويقتين من الحبشة؛ حين لا يبقى في الأرض أحد يقول: الله الله، كما بيَّن النبي -صلى الله عليه وسلم-.

وفي هذه الآيات ارتباط هذا الدِّين بمحمدٍ -صلى الله عليه وسلم- من حين مبعثه إلى يوم القيامة، وقد خص الله رسالته باسم الإسلام عَلَمًا على هذا الدين وهذه الشريعة دون شرائع مَن سبقهم من الرسل؛ كموسى وعيسى -عليهما السلام-؛ رغم أن دينهم الإسلام ودين جميع الأنبياء، لكن -بفضل الله- كان الاسم العَلَم "الإسلام" على هذه الشريعة المحمدية، واسم "المسلمون" العَلَم على أتباع النبي -صلى الله عليه وسلم-، رغم أن أتباع موسى وعيسى مسلمون حقيقة، قال الله -تعالى-: ( وَقَالَ مُوسَى يَا قَوْمِ إِنْ كُنْتُمْ آمَنْتُمْ بِاللَّهِ فَعَلَيْهِ تَوَكَّلُوا إِنْ كُنْتُمْ مُسْلِمِينَ . فَقَالُوا عَلَى اللَّهِ تَوَكَّلْنَا رَبَّنَا لَا تَجْعَلْنَا فِتْنَةً لِلْقَوْمِ الظَّالِمِينَ . وَنَجِّنَا بِرَحْمَتِكَ مِنَ الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ ) (يونس:84-86) .

وقال -سبحانه وتعالى- عن فرعون حين أراد أن يعلن دخوله في دين موسى -صلى الله عليه وسلم-: ( وَجَاوَزْنَا بِبَنِي إِسْرَائِيلَ الْبَحْرَ فَأَتْبَعَهُمْ فِرْعَوْنُ وَجُنُودُهُ بَغْيًا وَعَدْوًا حَتَّى إِذَا أَدْرَكَهُ الْغَرَقُ قَالَ آمَنْتُ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا الَّذِي آمَنَتْ بِهِ بَنُو إِسْرَائِيلَ وَأَنَا مِنَ الْمُسْلِمِينَ ) (يونس:90) .

وقال -سبحانه وتعالى- عن المسيح -صلى الله عليه وسلم- وأتباعه: ( عِيسَى مِنْهُمُ الْكُفْرَ قَالَ مَنْ أَنْصَارِي إِلَى اللَّهِ قَالَ الْحَوَارِيُّونَ نَحْنُ أَنْصَارُ اللَّهِ آمَنَّا بِاللَّهِ وَاشْهَدْ بِأَنَّا مُسْلِمُونَ ) (آل عمران:52) .

وقال الله -عز وجل-: ( وَإِذْ أَوْحَيْتُ إِلَى الْحَوَارِيِّينَ أَنْ آمِنُوا بِي وَبِرَسُولِي قَالُوا آمَنَّا وَاشْهَدْ بِأَنَّنَا مُسْلِمُونَ ) (المائدة:111) .

فلا يصح أبدًا الانتساب إلى دين إبراهيم ومنهج إبراهيم وملة إبراهيم؛ إلا باتباع محمدٍ -صلى الله عليه وسلم-، وهذه الشريعة الإٍسلامية؛ قال النبي -صلى الله عليه وسلم-: ( لَوْ كَانَ مُوسَى حَيًّا بَيْنَ أَظْهُرِكُمْ، مَا حَلَّ لَهُ إِلَّا أَنْ يَتَّبِعَنِي ) (رواه أحمد، وحسنه الألباني) ، وقال النبي -صلى الله عليه وسلم-: ( أَنَا أَوْلَى النَّاسِ بِابْنِ مَرْيَمَ، وَالأَنْبِيَاءُ أَوْلاَدُ عَلَّاتٍ، لَيْسَ بَيْنِي وَبَيْنَهُ نَبِيٌّ ) (متفق عليه) ، وقال -صلى الله عليه وسلم-: ( وَالذي نَفْسِي بيَدِهِ، لَيُوشِكَنَّ أنْ يَنْزِلَ فِيكُمُ ابنُ مَرْيَمَ إمامًا مُقْسِطًا، وحَكَمًا عَدْلًا، فَيَكْسِرَ الصَّلِيبَ، ويَقْتُلَ الخِنْزِيرَ، ويَضَعَ الجِزْيَةَ، ويَفِيضُ المالُ حتّى لا يَقْبَلَهُ أحَدٌ ) ( متفق عليه) .

الصفحة التالية