الدين الإبراهيمي بين الحقيقة والضلال (25)
الشيخ ياسر برهامي • المنهج السلفي
وقال -سبحانه وتعالى-: ( أَمْ كُنْتُمْ شُهَدَاءَ إِذْ حَضَرَ يَعْقُوبَ الْمَوْتُ إِذْ قَالَ لِبَنِيهِ مَا تَعْبُدُونَ مِنْ بَعْدِي قَالُوا نَعْبُدُ إِلَهَكَ وَإِلَهَ آبَائِكَ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ إِلَهًا وَاحِدًا وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ ) (البقرة:133) .
وقد سبقت الرواية بحج سارة وإسحاق -عليه السلام-، وقال -تعالى- عن صهر موسى -عليه السلام-: ( قَالَ إِنِّي أُرِيدُ أَنْ أُنْكِحَكَ إِحْدَى ابْنَتَيَّ هَاتَيْنِ عَلَى أَنْ تَأْجُرَنِي ثَمَانِيَ حِجَجٍ فَإِنْ أَتْمَمْتَ عَشْرًا فَمِنْ عِنْدِكَ وَمَا أُرِيدُ أَنْ أَشُقَّ عَلَيْكَ سَتَجِدُنِي إِنْ شَاءَ اللَّهُ مِنَ الصَّالِحِينَ ) (القصص:27) .
وهذا يدل على معرفة الأمم السابقة بالحج وتوقيتهم به، بل وفعلهم له، فعن ابن عباس -رضي الله عنهما-: أَنَّ رَسُولَ اللهِ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- مَرَّ بِوَادِي الْأَزْرَقِ، فَقَالَ: ( أَيُّ وَادٍ هَذَا؟ ) فَقَالُوا: هَذَا وَادِي الْأَزْرَقِ، قَالَ: ( كَأَنِّي أَنْظُرُ إِلَى مُوسَى عَلَيْهِ السَّلَامُ هَابِطًا مِنَ الثَّنِيَّةِ، وَلَهُ جُؤَارٌ إِلَى اللهِ بِالتَّلْبِيَةِ )، ولما مرَّ بِ ثَنِيَّةِ هَرْشَى قال -صلى الله عليه وسلم-: ( أيُّ ثَنِيَّةٍ هذِه؟ ) قالوا: ثَنِيَّةُ هَرْشى، قالَ: ) كَأَنِّي أنْظُرُ إلى يُونُسَ بنِ مَتّى -عليه السَّلامُ- على ناقَةٍ حَمْراءَ جَعْدَةٍ عليه جُبَّةٌ مِن صُوفٍ، خِطامُ ناقَتِهِ خُلْبَةٌ وهو يُلَبِّي ) (رواه مسلم) . وكل هذه الأحاديث في الصحيح.
وقال النبي -صلى الله عليه وسلم- في الصحيح أيضًا: ( والَّذِي نَفْسِي بيَدِهِ، لَيُهِلَّنَّ ابنُ مَرْيَمَ بفَجِّ الرَّوْحاءِ، حاجًّا، أَوْ مُعْتَمِرًا، أَوْ لَيَثْنِيَنَّهُما ) (رواه مسلم) ، وقال النبي -صلى الله عليه وسلم-: ( لَيُحَجَّنَّ البَيْتُ وَلَيُعْتَمَرَنَّ بَعْدَ خُرُوجِ يَأْجُوجَ وَمَأْجُوجَ ) (رواه البخاري) .
فلا دين إبراهيمي إلا بالحج فعلًا أو عزمًا ونية، وإلا باستقبال القبلة الكعبة المشرفة، وإلا باتباع محمد -صلى الله عليه وسلم-، فمَن زعم جمع الديانات الثلاثة -اليهودية والنصرانية والإسلام- باسم دين إبراهيم؛ فهو يقول أبطل الباطل ويُكَذب القرآن العظيم؛ لأن مَن كذَّب كلام الله -عز وجل- في الشهادة بمحمدٍ -صلى الله عليه وسلم- بالرسالة، ولبيته الحرام بوجوب استقباله كان مُكذبًا لله -عز وجل- مشركًا به كافرًا به.
قال ابن كثير -رحمه الله-: "قوله -تعالى- حكايةً لدعاء إبراهيم وإسماعيل -عليهما السلام-: ( رَبَّنَا وَاجْعَلْنَا مُسْلِمَيْنِ لَكَ وَمِن ذُرِّيَّتِنَا أُمَّةً مُّسْلِمَةً لَّكَ وَأَرِنَا مَنَاسِكَنَا وَتُبْ عَلَيْنَا إِنَّكَ أَنتَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ ) (البقرة:128) . قال ابن جرير: يعنيان بذلك: واجعلنا مستسلمين لأمرك، خاضعَين لطاعتك، لا نشرك معك في الطاعة أحدًا سواك، ولا في العبادة غيرك. وروى ابن أبي حاتم: عن عبد الكريم: ( وَاجْعَلْنَا مُسْلِمَيْنِ لَكَ ) قال: مخلصين لك، ( وَمِن ذُرِّيَّتِنَا أُمَّةً مُّسْلِمَةً لَّكَ ) قال: مخلصة.
وروى أيضًا عن سلَّام بن أبي مُطيع في هذه الآية: ( وَاجْعَلْنَا مُسْلِمَيْنِ لَكَ )، قال: كانا مسلمين، ولكنهما سألاه الثبات.
وقال عكرمة: ( وَاجْعَلْنَا مُسْلِمَيْنِ لَكَ ) قال الله: قد فعلت، ( وَمِن ذُرِّيَّتِنَا أُمَّةً مُّسْلِمَةً لَّكَ )، قال الله: قد فعلت.
وقال السدي: ( وَمِن ذُرِّيَّتِنَا أُمَّةً مُّسْلِمَةً لَّكَ ) يعنيان العرب.
قال ابن جرير: والصواب أنه يعم العرب وغيرهم؛ لأن مِن ذرية إبراهيم بني إسرائيل، وقد قال الله -تعالى-: ( وَمِن قَوْمِ مُوسَى أُمَّةٌ يَهْدُونَ بِالْحَقِّ وَبِهِ يَعْدِلُونَ ) (الأعراف: 159) .
قلتُ -أي: ابن كثير-: وهذا الذي قاله ابن جرير لا ينفيه السدي؛ فإن تخصيصهم بذلك لا ينفي مَن عداهم، والسياق إنما هو في العرب؛ ولهذا قال بعده: ( رَبَّنَا وَابْعَثْ فِيهِمْ رَسُولًا مِّنْهُمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِكَ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَيُزَكِّيهِمْ... )، والمراد بذلك محمد -صلى الله عليه وسلم-، وقد بعث فيهم كما قال -تعالى-: ( هُوَ الَّذِي بَعَثَ فِي الْأُمِّيِّينَ رَسُولًا مِّنْهُمْ ) (الجمعة:2) . ومع هذا لا ينفي رسالته إلى الأحمر والأسود؛ لقوله -تعالى-: ( قُلْ يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ جَمِيعًا ) (الأعراف: 158) ، وغير ذلك من الأدلة القاطعة.
وهذا الدعاء من إبراهيم وإسماعيل -عليهما السلام- كما أخبر الله -تعالى- عن عباده المتقين المؤمنين، في قوله: ( وَالَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا هَبْ لَنَا مِنْ أَزْوَاجِنَا وَذُرِّيَّاتِنَا قُرَّةَ أَعْيُنٍ وَاجْعَلْنَا لِلْمُتَّقِينَ إِمَامًا ) (الفرقان:74) .
وهذا القَدْر مرغوب فيه شرعًا، فإن مِن تمام محبة عبادة الله -تعالى- أن يحب أن يكون مِن صلبه مَن يعبد الله وحده لا شريك له؛ ولهذا قال الله -تعالى- لإبراهيم -عليه السلام-: ( إِنِّي جَاعِلُكَ لِلنَّاسِ إِمَامًا قَالَ وَمِن ذُرِّيَّتِي قَالَ لَا يَنَالُ عَهْدِي الظَّالِمِينَ ) (البقرة:124) ، وهو قوله: ( وَاجْنُبْنِي وَبَنِيَّ أَن نَّعْبُدَ الْأَصْنَامَ ) (إبراهيم:35) .
وقد ثبت في صحيح مسلم عن أبي هريرة -رضي الله عنه- عن النبي -صلى الله عليه وسلم- أنه قال: ( إِذَا مَاتَ الْإِنْسَانُ انْقَطَعَ عَنْهُ عَمَلُهُ إِلَّا مِنْ ثَلَاثَةٍ: إِلَّا مِنْ صَدَقَةٍ جَارِيَةٍ، أَوْ عِلْمٍ يُنْتَفَعُ بِهِ، أَوْ وَلَدٍ صَالِحٍ يَدْعُو لَهُ ).
( وَأَرِنَا مَنَاسِكَنَا ) قال ابن جريج، عن عطاء ( وَأَرِنَا مَنَاسِكَنَا ): أخرجها لنا، عَلِّمْناها.
وقال مجاهد: ( وَأَرِنَا مَنَاسِكَنَا ) مذابحنا، وروي عن عطاء أيضًا، وقتادة نحو ذلك. ( قلتُ : أي: الأماكن التي نذبح فيها ذبائحنا تقربًا إلى الله -عز وجل-).