شعار المكتبة الرقمية للدعوة السلفية
دخول ♡ قبسات

وقفات مع آيات (2) قوله -تعالى-: (يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُل لِّأَزْوَاجِكَ إِن كُنتُنَّ تُرِدْنَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا... ) (موعظة الأسبوع)‏

الشيخ سعيد محمود • خطبة الأسبوع

الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد؛

موضوع الآية: ‏

- بيان عيش النبي ‏-صلى الله عليه وسلم-‏، وعظيم إيمان أمهات المؤمنين. ‏

المقدمة: ‏

- نزل القرآن للتدبر والعمل: قال الله -تعالى-: ( كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ إِلَيْكَ مُبَارَكٌ لِيَدَّبَّرُوا آيَاتِهِ وَلِيَتَذَكَّرَ أُولُو الْأَلْبَابِ ) (ص:29) . ‏

- ومنه ما نزل على الوقائع والأحداث: قال -تعالى-: ( وَقُرْآنًا فَرَقْنَاهُ لِتَقْرَأَهُ عَلَى النَّاسِ عَلَى مُكْثٍ وَنَزَّلْنَاهُ تَنْزِيلًا ) (الإسراء:106)، وقال الواحدي: "لا ‏يمكن معرفة تفسير الآية دون الوقوف على قصتها وبيان سبب نزولها" (الإتقان للسيوطي) . ‏

آية اليوم وقصة نزولها:‏

- قال -تعالى-: ( يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُل لِّأَزْوَاجِكَ إِن كُنتُنَّ تُرِدْنَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا وَزِينَتَهَا فَتَعَالَيْنَ أُمَتِّعْكُنَّ وَأُسَرِّحْكُنَّ سَرَاحًا ‏جَمِيلًا ‎ ‎ ‏*‏ ‎ ‎ وَإِن كُنتُنَّ تُرِدْنَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَالدَّارَ الْآخِرَةَ فَإِنَّ اللَّهَ أَعَدَّ لِلْمُحْسِنَاتِ مِنكُنَّ أَجْرًا عَظِيمًا ‎ ) (الأحزاب: 28-29) (1)‏ .

- روى البخاري عن عائشة -رضي الله عنها- زوج النبي ‏-صلى الله عليه وسلم-‏: " أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- جَاءَهَا حِينَ أَمَرَهُ اللَّهُ أَنْ يُخَيِّرَ أَزْوَاجَهُ، فَبَدَأَ بِي رَسُولُ اللَّهِ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- فَقَالَ: ( إِنِّي ذَاكِرٌ لَكِ أَمْرًا، فَلا عَلَيْكِ أَنْ لا تَسْتَعْجِلِي حَتَّى تَسْتَأْمِرِي أَبَوَيْكِ ) وَقَدْ عَلِمَ أَنَّ أَبَوَيَّ لَمْ يَكُونَا يَأْمُرَانِي بِفِرَاقِهِ، قَالَتْ: ثُمَّ قَالَ: ( إِنَّ اللَّهَ قَالَ: ( يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لِأَزْوَاجِكَ... ) (الأحزاب:28) ، إِلَى تَمَامِ الآيَتَيْنِ، فَقُلْتُ لَهُ: فَفِي أَيِّ هَذَا أَسْتَأْمِرُ أَبَوَيَّ؟ فَإِنِّي أُرِيدُ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَالدَّارَ الآخِرَةَ" . وفي رواية: "ثُمَّ ‌خَيَّرَ ‌نِسَاءَهُ ‌كُلَّهُنَّ ‌فَقُلْنَ ‌مِثْلَ ‌مَا ‌قَالَتْ ‌عَائِشَةُ". ‏

‏ وقفات مع الآية:‏

‏(1)‏ بيان عيش النبي ‏-صلى الله عليه وسلم-‏: ‏

- لقد كان سبب نزول الآيات هو عدم صبر زوجات النبي على تحمل عيشه الخشن، ولم يكن عنده ما يوسع به ‏عليهن، وقد اختار ذلك انتظارًا لما عند الله في الدار الآخرة؛ لأنه كان يرسِّخ في أتباعه أن الأخذ من الدنيا يقلل الثواب ‏في الآخرة والعكس: فعن أبي ذر -رضي الله عنه- قال: كُنْتُ أَمْشِي مَعَ النَّبِيِّ في حَرَّةِ المَدِينَةِ، فَاسْتَقْبَلَنَا أُحُدٌ، فَقَالَ: ( يَا ‏أَبَا ذَرٍّ ). قُلْتُ: ‏ ‎ ‎ لَبَّيْكَ يَا رَسُولَ اللَّهِ، قَالَ: ( مَا يَسُرُّنِي أَنَّ عِنْدِي مِثْلَ أُحُدٍ هَذَا ذَهَبًا، تَمْضِي عَلَيَّ ثَالِثَةٌ وَعِنْدِي مِنْهُ دِينَارٌ، إِلَّا ‏شَيْئًا أَرْصُدُهُ لِدَيْنٍ، إِلَّا أَنْ أَقُولَ بِهِ فِي عِبَادِ اللَّهِ هَكَذَا وَهَكَذَا وَهَكَذَا عَنْ يَمِينِهِ، وَعَنْ شِمَالِهِ، وَمِنْ خَلْفِهِ )، ثُمَّ مَشَى فَقَالَ: ‏( إِنَّ الأَكْثَرِينَ هُمُ الأَقَلُّونَ يَوْمَ القِيَامَةِ، إِلَّا مَنْ قَالَ هَكَذَا وَهَكَذَا وَهَكَذَا، عَنْ يَمِينِهِ وَعَنْ شِمَالِهِ وَمِنْ خَلْفِهِ، وَقَلِيلٌ مَا ‏هُمْ ) (متفق عليه) . ‏

- لقد أقام هذه القاعدة: ( إِنَّ الأَكْثَرِينَ هُمُ الأَقَلُّونَ يَوْمَ القِيَامَةِ ) في كل مظاهر حياته؛ فعن أبي هريرة -رضي الله عنه-: ‏أَنَّهُ مَرَّ بِقَوْمٍ بَيْنَ أَيْدِيهِمْ شَاةٌ مَصْلِيَّةٌ، فَدَعَوْهُ، فَأَبَى أَنْ يَأْكُلَ، وَقَالَ: "خَرَجَ رَسُولُ اللَّهِ ‏-صلى الله عليه وسلم-‏ مِنَ الدُّنْيَا وَلَمْ يَشْبَعْ مِنْ خُبْزِ ‏الشَّعِيرِ" (رواه البخاري) ، وعن أنس قال: "ما أكَلَ النبيُّ ‏-صلى الله عليه وسلم-‏ خُبْزًا مُرَقَّقًا، ولَا شَاةً مَسْمُوطَةً حتَّى لَقِيَ ‏اللَّهَ" (رواه البخاري) .

وعن عبد الله بن مسعود -رضي الله عنه- قال: نامَ رسولُ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم- على حصيرٍ، فقامَ وقد ‏أثَّرَ في جنبِهِ، فقلنا: يا رسولَ اللَّهِ، لوِ اتَّخَذنا لَكَ وطاء فقال: ( مَا لِي وَلِلدُّنْيَا، مَا أَنَا فِي الدُّنْيَا إِلَّا كَرَاكِبٍ اسْتَظَلَّ تَحْتَ شَجَرَةٍ ثُمَّ رَاحَ وَتَرَكَهَا ) (رواه الترمذي، وصححه الألباني) .

وعن عبد الله بن عمر -رضي الله عنهما- قال: أخَذَ ‏رَسولُ اللَّهِ ‏-صلى الله عليه وسلم-‏ بمَنْكِبِي، فَقَالَ: ( كُنْ في الدُّنْيَا كَأنَّكَ غَرِيبٌ أوْ عَابِرُ سَبِيلٍ ) (رواه البخاري) ، وعن عمر -رضي ‏الله عنه-: أنه دخل على النبي ‏-صلى الله عليه وسلم-‏، فَإِذَا هو مُضْطَجِعٌ علَى رِمَالِ حَصِيرٍ ليسَ بيْنَهُ وبيْنَهُ فِرَاشٌ، قدْ أثَّرَ الرِّمَالُ بجَنْبِهِ ‏مُتَّكِئٌ علَى وِسَادَةٍ مِن أدَمٍ حَشْوُهَا لِيفٌ... ثُمَّ رَفَعْتُ بَصَرِي في بَيْتِهِ، فَوَاللَّهِ ما رَأَيْتُ فيه شيئًا يَرُدُّ البَصَرَ غيرَ أهَبَةٍ ثَلَاثَةٍ، ‏فَقُلتُ: ادْعُ اللَّهَ فَلْيُوَسِّعْ علَى أُمَّتِكَ، فإنَّ فَارِسَ والرُّومَ وُسِّعَ عليهم، وأُعْطُوا الدُّنْيَا وهُمْ لا يَعْبُدُونَ اللَّهَ، وكانَ مُتَّكِئًا ‏فَقالَ: ( أَوَفِي شَكٍّ أَنْتَ يَا ابْنَ الخَطَّابِ أُولَئِكَ قَوْمٌ عُجِّلَتْ لَهُمْ طَيِّبَاتُهُمْ فِي الحَيَاةِ الدُّنْيَا ) (متفق عليه) . ‏

‏(2)‏ عظيم إيمان أمهات المؤمنين (2) ‏:

الصفحة التالية