شعار المكتبة الرقمية للدعوة السلفية
دخول ♡ قبسات

الدين الإبراهيمي بين الحقيقة والضلال (27)

الشيخ ياسر برهامي • المنهج السلفي

قصة بناء الكعبة (25)

الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد؛

فقوله -تعالى- عن إبراهيم وإسماعيل -عليهما السلام-: ( رَبَّنَا وَابْعَثْ فِيهِمْ رَسُولًا مِنْهُمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِكَ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَيُزَكِّيهِمْ إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ ) (البقرة:129) .

تضمنت هذه الآية الكريمة الحكمة من البعثة النبوية المباركة؛ وهي تلاوة آيات الله المنزلة، وهي قراءتها المقصود منها اتباعها، وتعليم الكتاب، وتعليم الحكمة، والتزكية.

وهذا يدل دلالة ظاهرة على لزوم اتباع السنة؛ لأن الله -تعالى- جعل تلاوة الآيات غير تعليم الكتاب؛ فتلاوة الآيات قراءتها، أما تعليمها الذي يقوم بها الرسول -صلى الله عليه وسلم- فهو تبيين ما فيها من الأخبار والأحكام في العقيدة والعمل والسلوك؛ التي لا سبيل إلى معرفتها والعمل بها إلا من خلال بيان الرسول -صلى الله عليه وسلم-، ثم الحكمة: السنة.

قال ابن كثير -رحمه الله-: "وقوله -تعالى-: ( وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ ) يعني: القرآن. ( وَالْحِكْمَةَ ) يعني: السنة، قاله الحسن، وقتادة، ومقاتل بن حيان، وأبو مالك وغيرهم. وقيل: الفَهْم في الدين. ولا مُنافاة. ( وَيُزَكِّيهِمْ ): قال علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس: يعني طاعة الله، والإخلاص.

وقال محمد بن إسحاق: ( وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ ) يعلمهم الخير فيفعلوه، والشر فيتقوه، ويخبرهم برضا الله عنهم إذا أطاعوه واستكثروا من طاعته، وتجنبوا ما سخط من معصيته.

وقوله: ( إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ ) أي: العزيز الذي لا يُعْجِزه شيء، وهو قادر على كل شيء، الحكيم في أفعاله وأقواله، فيضع الأشياء في محالها بعلمه وحكمته وعدله" (انتهى من تفسير ابن كثير) .

وقال ابن جرير -رحمه الله- عن ابن وَهْب، قَالَ: "قُلْت لِمَالِكِ: مَا الْحِكْمَة؟ قَالَ: الْمَعْرِفَةُ بِالدِّينِ، وَالْفِقْه فِي الدِّين، وَالِاتِّبَاع لَهُ. وعن ابْن زَيْد قَالَ: الكتاب القرآن، والحِكْمَة: الدِّين؛ الَّذِي لَا يَعْرِفُونَهُ إلَّا بِهِ -صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- يُعَلِّمهُمْ إيَّاهَا. قَالَ: وَالْحِكْمَة: الْعَقْل فِي الدِّين، وَقَرَأَ: ( وَمَنْ يُؤْتَ الْحِكْمَة فَقَدْ أُوتِيَ خَيْرًا كَثِيرًا ) (البقرة:269) . وَقَالَ لِعِيسَى: ( وَيُعَلِّمهُ الْكِتَاب وَالْحِكْمَة وَالتَّوْرَاة وَالْإِنْجِيل ) (آل عمران:48) . وَقَرَأَ ابْن زَيْد: ( وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأ الَّذِي آتَيْنَاهُ آيَاتنَا فَانْسَلَخَ مِنْهَا ) (الأعراف:175) ، قَالَ: لَمْ يَنْتَفِع بِالْآيَاتِ حَيْثُ لَمْ تَكُنْ مَعَهَا حِكْمَة. قَالَ: والحِكْمَة شَيْء يَجْعَلهُ اللَّه فِي الْقَلْب يُنَوِّر لَهُ بِهِ. وَالصَّوَاب مِنْ الْقَوْل عِنْدنَا فِي الْحِكْمَة: أَنَّهَا العِلْم بِأَحْكَامِ اللَّه؛ الَّتِي لَا يُدْرَك عِلْمُها إلَّا بِبَيَانِ الرَّسُول -صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- وَالْمَعْرِفَة بِهَا، وَمَا دَلَّ عَلَيْهِ ذَلِكَ مِنْ نَظَائِره.

وَهُوَ عِنْدِي مَأْخُوذ مِنْ "الْحُكْم" الَّذِي بِمَعْنَى الْفَصْل بَيْن الْحَقّ وَالْبَاطِل بِمَنْزِلَةِ "الجِلْسَة وَالْقَعْدَة" من "الْجُلُوس وَالْقُعُود"، يُقَال مِنْهُ: إنَّ فُلَانًا لَحَكِيم بَيِّنٌ الْحِكْمَة؛ يَعْنِي أَنَّهُ لَبَيِّن الْإِصَابَة فِي الْقَوْل وَالْفِعْل.

وَإِذْ كَانَ ذَلِكَ كَذَلِكَ، فَتَأْوِيل الْآيَة: رَبّنَا وَابْعَثْ فِيهِمْ رَسُولًا مِنْهُمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتك، وَيُعَلِّمهُمْ كِتَابك الَّذِي تُنَزِّلهُ عَلَيْهِمْ وَفَصْلَ قَضَائِك، وَأَحْكَامَك الَّتِي تُعَلِّمهُ إيَّاهَا" (انتهى من ابن جرير) .

ولا تعارض بين التفسيرين؛ فلا فَهْم ولا عقل في الدين دون معرفة السنة، ولا فصل بين الحق والباطل إلا بمعرفة السنة، كما أنه لا فَهْم ولا عمل بالقرآن إلا بتعليم الرسول -صلى الله عليه وسلم- إيَّانا فَهْمَ الكتاب وكيفية العمل به؛ كبيان كيفية الصلوات والزكاة، والصيام، والحج، والحلال والحرام.

وكأن الحكمة -التي هي السنة- هي القسم الثالث من السنة، التي استقلت السنة فيه بتبيين الأحكام؛ فإن السنة مع القرآن على ثلاثة أقسام:

الأول: ما جاءت به السنة بتأكيد ما جاء في القرآن؛ كالأمر بإقامة الصلاة، وإيتاء الزكاة، والأمر بالحج والصيام إجمالًا.

الثاني: ما جاءت السنة فيه ببيان ما أُجْمل في القرآن، وتخصيص عامِّه وتقييد مُطلقه؛ كهيئة الصلاة وترتيب أركانها وقيامها، وركوعها وسجودها وعدد ركعاتها ومواقيتها، وغير ذلك، وما جاء في السنة من بيان نِصاب الزكاة والقَدْر الذي يُخرج من كل صنف من أصناف المال، وما يُؤخذ منه الزكاة وما لا يُؤخذ، وكذا صفة حجته -صلى الله عليه وسلم- بيان للمجمل الواجب في القرآن، قال -تعالى-: ( وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا ) (آل عمران:97) ، فقال النبي -صلى الله عليه وسلم-: ( لِتَأْخُذُوا عَنِّي مَنَاسَكَكُمْ ) (رواه مسلم) ، فكانت سنته بيانًا لذلك المجمل الواجب، وكذا جاءت السنة ببيان كيفية قطع يد السارق، فهي تقطع من الرسغ من اليد اليمني، وكذا جاءت السنة بتقييد مطلق السارق وتخصيص عمومه؛ لأنه الذي سرق مِن حرز ما يبلغ نصاب السرقة وهو ربع دينار فصاعدًا، كما قال النبي -صلى الله عليه وسلم-: ( لا تُقْطَعُ يَدُ السّارِقِ إلّا في رُبْعِ دِينارٍ فَصاعِدًا ) (رواه مسلم) ، ونحو ذلك.

الصفحة التالية