شعار المكتبة الرقمية للدعوة السلفية
دخول ♡ قبسات

الدين الإبراهيمي بين الحقيقة والضلال (27)

الشيخ ياسر برهامي • المنهج السلفي

القسم الثالث: وهو ما استقلت السنة ببيانه؛ كتحريم الحمار الأهلي وكل ذي ناب من السباع، قال النبي -صلى الله عليه وسلم-: ( ألا إِنِّي أُوتِيتُ الكِتابَ ومِثْلَهُ معه، ألا يُوشِكُ رَجُلٌ شَبْعانٌ على أرِيكَتِه يَقولُ: علَيكُم بِهذا القُرآنِ، فما وجَدْتُم فيه من حلالٍ فأَحِلُّوهُ، وما وجدْتُم فيه من حَرامٍ فَحرِّمُوه، ألا لا يَحِلُّ لَكُم لَحمُ الحِمارِ الأَهْلِيِّ، ولا كُلِّ ذِي نابٍ من السَّبُعِ، ولا لُقَطَةُ مُعاهَدٍ، إِلّا أنْ يَستغْنِيَ عنها صاحِبُها... ) (رواه أبو داود، وصححه الألباني) ، وكذا تحريم الذهب والحرير على الرجال وإباحتهم للنساء، قال النبي -صلى الله عليه وسلم- وقد أمسك بيديه ذهبًا وحريرًا، فقال: ( إِنَّ هَذَيْنِ حَرَامٌ عَلَى ذُكُورِ أُمَّتِي، حِلٌّ لِإِنَاثِهِمْ ) (رواه أحمد وأبو داود والترمذي، وصححه الألباني) ، ونحو ذلك.

وإن كان ذلك داخلًا في القرآن بالاعتبار الأوسع؛ لدخوله في قوله -تعالى-: ( وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانتَهُوا ) (الحشر:7) ، والأمر بطاعة الرسول -صلى الله عليه وسلم- المتكرر كثيرًا جدًّا في القرآن، وهكذا فَهِم الصحابة -رضي الله عنهم-.

روى مسلم عن عبد الله بن مسعود -رضي الله عنه- قال: " لَعَنَ اللَّهُ الواشِماتِ والْمُسْتَوْشِماتِ، والنّامِصاتِ والْمُتَنَمِّصاتِ، والْمُتَفَلِّجاتِ لِلْحُسْنِ المُغَيِّراتِ خَلْقَ اللهِ". قالَ: فَبَلَغَ ذلكَ امْرَأَةً مِن بَنِي أَسَدٍ يُقالُ لَها: أُمُّ يَعْقُوبَ وَكانَتْ تَقْرَأُ القُرْآنَ، فأتَتْهُ فَقالَتْ: ما حَدِيثٌ بَلَغَنِي عَنْكَ أنَّكَ لَعَنْتَ الواشِماتِ والْمُسْتَوْشِماتِ، والْمُتَنَمِّصاتِ والْمُتَفَلِّجاتِ، لِلْحُسْنِ المُغَيِّراتِ خَلْقَ اللهِ، فَقالَ عبدُ اللهِ: ما لي لا أَلْعَنُ مَن لَعَنَ رَسولُ اللهِ -صَلّى اللَّهُ عليه وسلَّمَ-؟ وَهو في كِتابِ اللهِ فَقالتِ المَرْأَةُ: لقَدْ قَرَأْتُ ما بيْنَ لَوْحَيِ المُصْحَفِ فَما وَجَدْتُهُ فَقالَ: لَئِنْ كُنْتِ قَرَأْتِيهِ لقَدْ وَجَدْتِيهِ، قالَ اللَّهُ -عَزَّ وَجَلَّ-: ( وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا ) (الحشر:7) ".

فالفرق بين هذا القِسْم والذي قبله: أن الذي قبله موجود إجمالًا في الكتاب، لكن يحتاج لبيانٍ من الرسول -صلى الله عليه وسلم-، أما القسم الثالث فلا وجود له في القرآن إلا من خلال الأمر بطاعة الرسول -صلى الله عليه وسلم-.

أما التزكية فقد سبق ما نقله ابن كثير -رحمه الله-.

وهذه الآية الكريمة تبيِّن أن الله ما أراد مِن عباده في الدِّين إلا ما دلَّ عليه الكتاب والسنة، وليس مما أراده الله من عباده أن يرجعوا في عقائدهم إلى علوم الفلسفة والمنطق اليوناني وعلم الكلام، وكذا في الأصول، ولم يجعل -سبحانه- مرجعنا في معرفة الأحكام العملية إلى آراء الرجال ومذاهبهم دون الأدلة من الكتاب والسنة، وما دلت عليه من الإجماع والقياس، وغيرها، وليست أقوال العلماء إلا شرحًا وبيانًا للكتاب والسنة؛ أما أن تُجعل مصدرًا للتشريع يُلْزم الناس بأخذها كأنها النصوص؛ فهذا مُحْدث بعد القرون الثلاثة الخيرية؛ بل بعد الأئمة الأربعة المُّتبَعين وغيرهم، فإنهم ما أمروا أصحابهم ولا علموهم إلا أن يستدلوا بالأدلة من الكتاب والسنة، ويتبعوا هذا الدليل دون الأقوال المجردة، ولو نظر ناظر في كتب المتقدمين من أصحاب الأئمة الفضلاء لوجد تعظيم السنة أمرًا ظاهرًا لديهم جميعًا.

أما ما هو أسوأ مِن التقليد المجرد للمذاهب؛ فهو الانتقاء منها بالتشهي والترخص؛ للبحث في رُخَصها دون دليل، والاختلاف ليس بحجة بالإجماع، والتقليد ليس بحجة كما نقل ذلك أبو عمر بن عبد البر في كتابه الرائع: "جامع بيان العلم وفضله"، ونقل الإجماع على عدم جواز الانتقاء من المذاهب بالتشهي.

وكذلك لم يجعل -سبحانه- في التزكية لازمًا علينا إلا هدي الرسول -صلى الله عليه وسلم- وتزكيته لنا، وليست مقامات الصوفية المخترعة المحدثة، وأحوالهم مِن نحو: السُّكْر والدَّهَش، والهيمان والفناء، والجمع والفرق؛ مما لا يفهمه أكثر الناس، مما لم يَرَد قط في كتاب الله وسنة رسول -صلى الله عليه وسلم-.

والأشد من ذلك: أنهم جعلوا ما ورد في كتاب الله وسنة رسوله -صلى الله عليه وسلم- من الخوف والرجاء، والشكر، والصبر والرضا، والتوكل، وغيرها من أعمال القلوب من مقامات العوام؛ دون الخواص، وخواص الخواص؛ الذين جعلوا لهم المقامات التي اخترعوها من الفناء، وما يشير إليه أو يؤدي إليه.

فعلم الكلام والتقليد الأعمى والتصوف المُحْدث؛ خاصةً الفلسفي منه القائم على وحدة الوجود، ووحدة الأديان، والخرافي القائم على الغلو في الأولياء -بل وغير الأولياء!-: كتارك الصلاة، والزكاة، وبائعي المخدرات على أبواب المساجد، وغيرهم؛ بل من الكفار الزنادقة؛ كمَن يخطب عاريًا كما ولدته أمه، ويقول للناس: أشهد أن لا إله لكم إلا إبليس صلى الله عليه وسلم! فقال الناس: كَفَر كَفَر، فسلَّ السيفَ (مع أنه كان عاريًا) ثم نزل، فهرب الناس من المسجد!

وقال الشعراني: وفعل ذلك رضي الله عنه في ثلاثين جمعة في نفس اليوم؛ أي: في ثلاثين بلدة! ونعوذ بالله من الضلال، وكالحلاج المقتول على الزندقة بإجماع علماء عصره الذي يقول:

كَفَرتُ بِدينِ اللَهِ وَالكُفرُ واجِبٌ عَـلَيَّ وَهــو عـِـنـدَ المُـســلـِمـيـنَ قَــبـيـحُ

وكابن ابن عربي الذي يقول:

لقد كنت قبل اليوم أنكر صاحـبي إذا لم يكن ديـني إلى ديـنه دانـي

لقد صارَ قلـبي قابلًا كلَّ صُــورةٍ فـمرعىً لغُـــزلانٍ ودَيرٌ لرُهبـَانِ

وبيتٌ لأوثــانٍ وكعـــبةُ طـائـــفٍ وألـواحُ تـوراةٍ ومصـحفُ قـرآنِ

أديـنُ بدينِ الحب أنَّى توجَّــهــتْ ركـائـبهُ، فالحبُّ ديـني وإيـمَاني

وهذه الزندقة الظاهرة في مساواة الملل؛ حتى عبادة الأوثان، ما دام -بزعمهم- كان الحبُّ موجودًا.

الصفحة السابقة الصفحة التالية