الفساد (99) أين دور الزراعة في الاقتصاد المصري؟ (1)
الشيخ علاء بكر • قضايا معاصرة
الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد؛
فقد عرفت مصر الزراعة وبرعت فيها من قديم الزمان، حيث أقام المصريون القدماء حضارة عريقة على ضفاف النيل، حضارة ازدهرت فيها الزراعة ازدهارًا كبيرًا، فانتج المصريون كل ما يحتاجون إليه من المحاصيل الزراعية، والحبوب المتنوعة، والتي كانت غالبًا تكفيهم وتفيض، وإن لم يسلم تاريخ مصر من نوبات من المجاعة على فتراتٍ متباعدةٍ إذا فقد المصريون فيضان النيل في بعض السنين.
وقد اخترع المصريون القدماء العديد من أدوات وآلات الزراعة والتي منها ما هو معروف ومستخدم حتى الآن، وقد سجَّلت جدران المعابد والمقابر رسومات كثيرة تحكي تفاصيل ذلك.
الزراعة في مصر القديمة:
(ظل وادي النيل ذو التربة السوداء منذ العصر الحجري الحديث حتى الآن أرض فلاحين أكفاء؛ إذ كان سواد السكان يشتغلون بفلاحة الأرض منذ القِدَم. وكَرَّس الفلاح نفسه للعمل في الحقول الواسعة، وفي حديقته الخاصة، ونظَّمت الحكومة الري وأشرفت على موارد الطعام (مخازن الحبوب) (راجع: (معجم الحضارة المصرية القديمة) ترجمة أمين سلامة - ط. مكتبة الأسرة - ط. الثانية 1996م: ص 182) .
كان الفلاح يعمل إما مع أسرته أو ضمن أفراد فرقة، ويعتمد على كل ما يمكنه الحصول عليه من الحقول الصغيرة، وتساعده الأبقار في حرث الأرض والأغنام عند البذر، والحمير عند الحصاد. كانت مصر تعيش من محاصيل أرضها، وتصدِّر فائض المنتجات الزراعية إلى البلاد الأجنبية، حيث كانت مخزنًا للحبوب ومنتجة للتيل الجميل، وفيها زراعة الخضروات والفاكهة.
وقد أفاد قدماء المصريين من كل شبر في الحدائق، كما ازدهرت زراعة النباتات، ومنها: نباتات الفصيلة القرعية، ومن النباتات الخاصة: الفول، والعدس، والذرة العويجة، والحلبة، والخيار، والبصل، والخص، كما كثرت فواكه الصحراء، ومنها: التين والعنب، والنبق، والجميز، والبلح، وكذلك الرمان في الدولة الحديثة، كما زرعت المحاصيل الزيتية، مثل: السمسم، والخروع.
وبدأت زراعة الزيتون منذ الأسرة الثامنة عشرة، ولكنه كان نادرًا، وكان بمصر حدائق للزهور حيث نرى صورًا ملونة لها على أرضيات القصور، وكانت هناك النباتات البرية: كالكرفس، والريزومات؛ مما يستعمل في الطهي أو في العطور، ونباتات الزينة، مثل: اللبلاب والسوسن، ونباتات الصباغة والنباتات الطبية، مثل: شجرة التربنتين (للاستزادة: راجع المصدر السابق، ص 182 - 183) .
الشادوف:
(أول أداة ري منظم في تاريخ الحضارات ابتكرها المصري القديم حيث تم دراسة بعض أقدم مناظر ملونة له في مقبرتي: (نفر- حتب) و(ميري رع الثاني) إبان حكم الملك (إخناتون) بتل العمارنة بالمنيا. وهي أداة تتكون من عصا خشبية عبارة عن جذع شجرة يتميز بقوة الاحتمال، وتعلَّق تلك الساق الخشبية على عامود سميك أعلى بقليل من مستوى قامة الإنسان. وقد يكون هذا العامود عبارة عن قطعة خشبية مثبتة في الأرض، أو يكون مصنعًا من الطين الني، مثل ما نرى الآن في مزارعنا الغَنَّاء.
وفي آخر هذه الساق يوضع ثقل من الحجر أو الطين الجاف لتعمل كرافعة للماء، يتدلى من الناحية الأمامية حبل سميك قوي في آخره دلو مصنوع من القش أو الجلد. وعندما يجذب الفلاح ذلك الحبل السميك إلى أسفل -سواء أكان الترعة أو نهر النيل الذي يبنى الشادوف على شطه- ليملأه بالمياه ثم يرفعه إلى أعلى، ورغم ثقل وزن الدلو المحمل بالمياه؛ إلا ن الثقل الموجود في الناحية الأخرى من الساق الخشبي يساعده على جذب الدلو بدون مجهودٍ كبيرٍ. يمسك الفلاح بالدلو ويقلبه فتنسكب المياه في جدول صغير شُقَّ خصيصًا لكي تجري فيه المياه إلى الأرض المراد ريها.
استمر استخدام الشادوف في الأسرة التاسعة عشرة، وهذا مثبَّت في منظر ملون على حائط في مقبرة المدعو (إيبوي)، وهي ترجع إلى عصر الملك (رمسيس الثاني)، وتقع في وادي العمال بغرب الأقصر.
ترنيمة الشادوف التي كان يغنيها ويشدو بها الفلاح اعتبرت مِن أقدم الأغنيات في تاريخ العالم التي كان يغنيها الفلاح في حقله) (انظر (كتاب: مصر القديمة) بسام الشماع - مكتبة الشروق الدولية - مصر الجديدة - ط. أولى 1431 هجريا – 2010 م: ص 168 – 169).
الاهتمام بالنباتات الأجنبية:
بجانب اللوتس والنباتات التي زرعها المصري القديم كان هناك اهتمامه بالتعرف على الأنواع الأجنبية أيضًا، والتي شاهدها خلال رحلاته سواء السلمية والتجارية أو حتى الحربية)، و(مما يؤكِّد اهتمامه بعلم النباتات أنه وثقها ورسمها ونقشها على جدران غرف معابده.
ومن أجمل الأمثلة على ذلك: غرفة الملك (جحوتي مس) الثالث -معروف باسم (تحتمس الثالث)- بالكرنك على الرغم أنه قد أنجز 17 حملة عسكرية)، (إلا أنه فاجأ الجميع بتوثيق هذه النباتات التي رآها في سوريا وفلسطين إبان العام 25 في حكمه لمصر. ومنها أيضا: نباتات من مصر، تم نقش هذه المجموعة في منظر نادر بديع على جدران حجرة في صالة الاحتفالات، وهي التي يطلق عليها الآن: (حديقة النباتات).
مناظر النباتات والفواكه والزهور هنا منقوشة بدقة وبخبرة وحنكة، التفاصيل ظاهرة للأعين، تسهل تباين الأنواع المختلفة، وتوضح أنواعها وعائلتها. هذه الحجرة هي احتفالية لكل مهتم بعلم النباتات والزهور، ودرس عميق وسهل لكلِّ مَن يريد التعرف على هذا العلم الذي ابتكره المصري القديم، وتعرف على أهميته في الحياة اليومية، وتيقن مدى أهميته).
ومن النباتات التي أحضرها (جحوتي مس) الثالث وعرضها على المصريين لأول مرة (الزنبق واللوز والرمان والمخيط، وآس معروف والدباسيات وقرين، بل إن هناك بعض النباتات التي نقشت قد انقرضت من مصر الآن مثل الإنقليس؛ مما يجعل هذه المناظر الجدارية وثيقة مهمة وتأريخا للطبيعة لا غنى عنها) (راجع: موسوعة البسام: تاريخ وآثار، تأليف بسام الشماع، ط. فرست بوك للنشر والتوزيع: ص 591- 592 بتصرفٍ يسيرٍ) .
الشجر:
اهتم المصري القديم بالشجر وزراعته فتعدَّدت الأنواع، وصور الاستفادة منها، بل استورد المصري القديم العديد من الأشجار من كل البلاد المحيطة والبعيدة أيضًا.