الفساد (99) أين دور الزراعة في الاقتصاد المصري؟ (1)
الشيخ علاء بكر • قضايا معاصرة
وقد عهد بتصميم حفرها إلى المهندس الفرنسي (مسيو كوست)، ولما تم حفرها افتتحها في 24 يناير 1820م، وقد تكلفت الترعة مجهودات كبيرة، وتسببت في متاعب جسيمة وضحايا، احتملها المصريون صابرين حيث مات الآلاف من الفلاحين الذين اشتغلوا في حفرها؛ بسبب قلة الزاد، والمؤونة، والإعنات في العمل، وسوء المعاملة من الجنود.
وقد أتت هذه الترعة بثمراتٍ عظيمةٍ من جهة المواصلات، ونقل الحاصلات وزيادة العمران في إقليم البحيرة وإحياء أراضيها، وكذلك استفادت منها الإسكندرية في حركة التجارة وزيادة العمران، كما ساعدت على الإكثار من الزرع وغرس الأشجار والحدائق، والبساتين على ضفافها، وفي ضواحي المدينة.
وقد شقَّ محمد علي العديد مِن الترع الأخرى في مختلف المديريات، وكان يعتني بتطهيرها وصيانتها لتوفير مياه الري اللازمة للزراعة.
- إنشاء القناطر والجسور: حيث تم إنشاء قناطر كثيرة على الترع لضبط مياهها، ومِن أهمها: القنطرة الكبرى ذات العيون التسع على بحر مويس بالزقازيق، وقناطر المسلمية، وقناطر البريجات، وقناطر البوهية والمنصورية، وقناطر النعناعية، وغيرها كثير. وتم إنشاء الجسور على شاطئ النيل من جبل السلسلة إلى البحر الأبيض المتوسط لمنع طغيان المياه على الضفتين، وتم إنشاء جسور أخرى فرعية، منها: جسر الرقة، وجسر الطهنشاوي، وجسر البرانقة، وجسر مشطا، وغيرها كثير.
- إصلاح سد (أبو قير) القديم: كان هذا السد متهدمًا فقام محمد علي بإصلاحه، وسد فتحة بحيرة (أبو قير) بجسر من الأحجار يقيها تسرب مياه البحر إليها، ويقي ترعة المحمودية طغيان المياه الملح عليها.
ومن ذلك الحين أخذت بحيرة (أبو قير) تجف تدريجيًّا حتى صارت أراضي زراعية، كان العمل في هذا السد شاقًّا اقتضى عدة سنين لعمق المياه في داخل خليج (أبو قير)؛ إذ كان عمقها خمسة أمتار في ناحية الجسر، وطول الجسر 1243 مترًا. وقد ذكر الجبرتي نبأ هذا الإصلاح في أحداث سنة 1231 هـ - 1816م، وعده من محاسن الأعمال.
- إنشاء القناطر الخيرية: كانت أراضي الوجه البحري تروى بطريق الحياض كري الوجه القبلي، فلا يزرع فيها إلا الشتوي، ولا يزرع الصيفي إلا على شواطئ النيل أو الترع القليلة المشتقة منه، وقد أخذ محمد علي في تغيير هذا النظام تدريجيًّا، من خلال شق الترع وتطهيرها، وإقامة الجسور علي شاطئ النيل؛ لضمان توفير مياه الري في معظم العام، وصارت الترع تروي الأراضي في غير أوقات الفيضان جهد المستطاع، ولا سيما بعد إقامة القناطر عليها.
وقد توج محمد علي أعمال الري التي قام بها بإنشاء القناطر الخيرية؛ إذ إنها قوام نظام الري الصيفي في الوجه البحري، وهي وإن كانت أواخر أعماله في الري؛ إلا أنها أعظمها نفعًا وأبقاها.
وقد فكَّر فيها محمد علي بعد ما شاهد بنفسه فوائد القناطر التي أنشأها على الترع، ورأى أن كميات عظيمة من مياه الفيضان تضيع هدرًا في البحر ثم تفتقر الأراضي إلى مياه الري في خلال الباقي من العام ولا تجد كفايتها منها، فعزم على ضبط مياه النيل للانتفاع بها زمن التحاريق، وفي إحياء الزراعة الصيفية في الدلتا من خلال إنشاء قناطر كبرى في نقطة انفراج فرعي النيل.
ويتألف المشروع من قنطرتين كبيرتين على فرعي النيل يوصل بينهما برصيف كبير، مع شق ترع ثلاث كبرى تتفرع عن النيل فيما وراء القناطر لتغذية الدلتا، وهي الرياحات الثلاثة المعروفة برياح المنوفية ورياح البحيرة ورياح الشرقية الذي عرف بالرياح التوفيقي؛ لأنه تم في عهد الخديوي توفيق باشا وضع حجر الأساس للمشروع في 1263 هـ (1847م).
وقد اعترى العمل الفتور في أواخر أيام حكم محمد علي ثم توقف بعد وفاته؛ بحجة أن الخزانة لا تسمح بنفقات المشروع الطائلة، ثم تم بناء القناطر وإنشاء رياح المنوفية في عهد سعيد باشا، وقد وصف المشروع وقتها بكونه أكبر أعمال الري في العالم كله؛ لأن فن بناء القناطر على الأنهار لم يكن بلغ من التقدم ما بلغه اليوم؛ لذا كانت إقامة هذه القناطر بوضعها وضخامتها وقتها يعد إقدامًا فيه شيء من المجازفة.
- توسيع نطاق الزراعة: بدأ محمد علي في توسيع نطاق الزراعة بابتكار أنواع جديدة زادت كثيرًا في ثروة مصر الزراعية، ومن ذلك:
- الاعتناء بغرس أشجار التوت لتربية دود القز (الحرير)، حيث خصص ثلاثة آلاف فدان ليغرس فيها هذه الأشجار في أراضي وادي الطميلات بالشرقية، وخصص لخدمتها ألفين من الفلاحين، كما جلب من الشام مزارعين وصناع من المتخصصين للقيام على تربية دود الحرير، ثم عمم غرس أشجار التوت في العديد من المديريات بعد ذلك.
وقد بلغ عدد أشجار التوت في مصر وقتها ثلاثة ملايين شجرة، بمعدل 300 شجرة في كل فدان، وبلغ محصول الحرير عام 1832 - 1833 م 12 ألف أقة، وللأسف: رغم نجاح التجربة نجاحًا عظيمًا فقد انتاب دود الحرير مرض في أوروبا ومصر فقل معه الإنتاج وأفسد تقاوي الدود، وأهملت تربيته في أواخر عصر محمد علي.
- غرس محمد علي عددًا وفيرًا من الأشجار على اختلاف أنواعها لاستخدام أخشابها في بناء السفن وأعمال البناء والعمران، ومنها: إقامة السواقي وصنع عربات المدافع والسفن الحربية.
- كان القطن مألوف زرعه في مصر قبل عام 1821م، ولكنه كان من النوع الرديء الذي لا يصلح للتنجيد، وكان هناك نوع نادر يفوق القطن القديم في طول تيلته ونعومته يزرع في بعض الحدائق، لكن محصوله كان ضئيلًا، فقام محمد علي بتعميم زراعة هذا النوع الجيد من القطن، واشتراه من الفلاحين بأسعار مرتفعة لتشجيعهم على زراعته، فأقبل الفلاحون على زراعته، في ظل توافر مياه الري لزراعته، فلم تمضِ عدة أعوام حتى انتشر هذا النوع الجيد من القطن، كما أدخل محمد علي نوعًا جديدًا من القطن، وهو القطن الأمريكي (سي ايلاند)، فصار القطن المصري ينافس قطن أمريكا والبنغال، وزاد إقبال مصانع النسيج عليه في إنجلترا وفرنسا، فزاد محصوله عامًا بعد عام ليتحول إلى أساس ثروة مصر الزراعية، وقد احتكرت الحكومة تجارة القطن وبيعه.
- كانت زراعة الزيتون نادرة في مصر، ففكر محمد علي في الاستكثار من غرس أشجار الزيتون في الوجهين: البحري والقبلي؛ لاستخراج الزيت من ثمره، واتخاذه غذاءً للجنود؛ خاصة البحارة.