الفساد (100) أين دور الزراعة في الاقتصاد المصري؟ (2)
الشيخ علاء بكر • قضايا معاصرة
الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد؛
فرغم أن الزراعة كانت -وما زالت- المصدر الرئيسي للغذاء والطعام، بل وللكثير من أنواع الصناعات القائمة عليها بما فيها صناعات غذائية، وأقمشة ومنسوجات، وملابس وكساء، ورغم أن الأراضي الزراعية عبر التاريخ تعد منبعًا دائمًا لا ينضب للمنتجات الزراعية، فإن العالم ككل اليوم بات مهددًا اليوم -بصورة لم تُعرَف من قبل- بالدخول في أزمة غذاء عالمية؛ خاصة مع الزيادات السكانية الهائلة في دول العالم الثالث الفقيرة، ومع التلوث بأنواعه، ومع تقلبات الطقس والمناخ، وتزايد الاحتباس الحراري، والتصحر، وانحسار مساحات من الأراضي التي كانت مزروعة، إلى جانب الحاجة المتزايدة إلى المياه للزراعة، وغير ذلك من العوامل الأخرى التي قد تتسبب في عدم القدرة على توفير الغذاء الكافي في المستقبل لكلِّ البشر؛ خاصة في ظلِّ عدم العدالة في توزيع ما يزرع ويتنج على كل السكان في كل مكان.
وتظهر دراسة لأحوال الزراعة في 112 دولة من الدول النامية: أن صندوق الأمم المتحدة للسكان يتوقع أن تواجه 65 من هذه الدول النامية عجزًا في المستقبل في تدبير حاجتها الأساسية من المواد الغذائية.
الزراعة في العالم العربي:
رغم أن الزراعة في عالمنا العربي يعمل بها أكثر من نصف السكان والقوى العاملة، ورغم الموارد الطبيعية الملائمة نسبيًّا؛ فإن هناك دولًا عربية تعاني من نقص في الغذاء والطعام، بعد تراجع إنتاجها الزراعي مقارنة بنسبة الزيادة السكانية، وبالتالي: تدهور نصيب الفرد فيها من الإنتاج الغذائي، وأصبح نصيب الفرد فيها من الغذاء أقل مما كان عليه من قبل بنسبٍ متفاوتةٍ.
وصارت هذه الدول تستكمل ما ينقصها بالاستيراد من دول العالم الخارجي، بل هناك مؤشرات تنذر بعجزٍ وشيكٍ لا يحمد عقباه قادم يتعلق بقدرة المجتمعات العربية عامة على تلبية حاجاتها من المنتجات الزراعية الأساسية، خاصة المواد الغذائية التي هي عماد الحياة.
ومعلوم: أن تصدير هذه السلع الغذائية الأساسية تحتكره دول رأسمالية بعينها تنتج ما يكفيها، وتصدِّر الفائض لديها لغيرها من الدول بصورة تجعلها متحكمة في إنتاج وتجارة المواد الغذائية الرئيسية في العالم؛ مما يعطيها فرصة التحكم في هذه التجارة المهمة بكل ما يحمله ذلك من مخاطر بالغة على اقتصاد وحياة الشعوب المحتاجة، وبصورة متزايدة للعديد من هذه المواد الغذائية الرئيسية.
وتأمل خطورة الأمر عندما يصل الأمر في المستقبل -القريب أو البعيد- ببعض هذه الدول العربية المحتاجة لهذه المواد الغذائية الرئيسية أن لا تجد الأموال الكافية لتأمين الحصول المنتظم على هذه المواد، أو يصل الأمر بغيرها أن تتوفر عندها الأموال الكافية لاستيراد هذه الاحتياجات ثم لا تجد مَن يبيع لها ويلبي احتياجاتها في ظل تفاقم الأزمة عالميًّا.
ويزيد الأمر أسفًا ويزيد الهم سوءًا: أن تعلم أن هذه الدول العربية العاجزة في مجموعها عن تنمية مواردها الزراعية لديها من الموارد والإمكانيات والقدرات ما يجعلها قادرة على تلافي هذا العجز في الإنتاج الزراعي، بل يجعلها فوق ذلك قادرة على المساهمة في حل مشكلة الغذاء العالمية المتزايدة، والتي تعاني منها الدول الفقيرة ويموت بسببها أعداد كبيرة من مواطنيها؛ بسبب نقص المواد الغذائية، أو بسبب سوء التغذية.
إن الدول العربية للأسف -كل الأسف- ما زالت عاجزة، وغير قادرة وهي في هذا الوضع الحرج على تحقيق حدٍّ أدنى من التعاون العربي المشترك بين دول تمتلك إمكانيات وموارد زراعية كبيرة كما في السودان ومصر والعراق، وبين دول تملك موارد مالية فائضة ضخمة كدول الخليج العربي لتحقيق تكامل يلبي مصالح وأهداف وآمال الشعوب العربية في تنمية زراعية شاملة تقوم على التوسع الأفقي والرأسي، وبخطوات متسارعة لسدِّ الفجوة الغذائية الموجودة، والمتوقع اتساعها مع الوقت.
المنظمة العربية للتنمية الزراعية:
هي منظمة متخصصة تابعة لجامعة الدول العربية، أنشأت عام 1972 م، مقرها الخرطوم بالسودان. وهي تهدف إلى تنمية الروابط بين الدول العربية والتنسيق والتعاون بينه، وللمنظمة مجلس يتألف من وزراء الزراعة في الدول العربية الأعضاء، ولها لجان متخصصة.
يقول د. عبد الفتاح مصطفى غنيمة -أستاذ تاريخ العلوم والتكنولوجيا بجامعة المنوفية- في كتابه: (العلم والتكنولوجيا والتوجهات المستقبلية) (ص 179): (إن المتتبع للدراسات والبحوث التي أنجزتها المنظمة العربية للتنمية الزراعية، أو عاونت في إعدادها، المشتركة منها أو القطرية، والتي تجاوز عددها المائتين دراسة وبحثًا، يجد أنها قد انصبت على المسوح الإحصائية الفنية والاقتصادية للموارد الطبيعية، والآفات والأمراض، ومشاكل استصلاح الأراضي واقتصاديات الإنتاج، والجدوى الفنية والاقتصادية لبعض المشاريع، من أجل تسهيل السبل لإيجاد التمويل لها)، (والحقيقة: أن العنصر البشري لم يجد المعالجة المطلوبة في هذا العدد الكبير نسبيًّا من البحوث والدراسات، بل يكاد الإنسان صانع التنمية، والذي يفترض أن يكون النهوض به هدفًا ومحورها الأساسي، شبه غائب في هذه الأبحاث والدراسات التي أنجزتها المنظمة خلال السنوات الماضية من عمرها).
(وقد يكون السبب هو: أن نشاط المنظمة مركز على الجانب المادي لقوى الإنتاج، ولم يهتم بنفس الدرجة بالجانب البشري الذي هو العنصر الحاسم والأهم في القوى المنتجة، كما أن علاقات الناس مع بعضها من خلال الأشياء، أي: العلاقات الإنتاجية وأشكال ومضمون، ووظيفة الملكية الزراعية لن تجد العناية الكافية في عمل المنظمة وبحوثها، رغم أن العامل المحدد لضمان الحياة البشرية يكمن في الاستثمار الذي يحدث في البشر وفي المعرفة، فالمصادر المادية والعينية لا تتوفر إلا بالإنسان؛ ولذا يجب تنمية معارفه وتفجير طاقاته الكامنة، ذلك البركان الهادر الذي إذا تفجر بالتعليم والتدريب والتفوق ظهرت قدراته، وتلك التي أوصلت الإنسان إلى ما وصل إليه، ووضعته في أول الطريق إلى ما لا يتخيله.