الفساد (101) أين دور الزراعة في الاقتصاد المصري؟ (3)
الشيخ علاء بكر • قضايا معاصرة
الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد؛
فيعتني الإسلام بالزراعة عناية خاصة تتضح من خلال عشرات الآيات القرنية والأحاديث النبوية عن الزراعة، وما يتعلق بها من أحكامٍ وردت في الشرع.
ففي الحث على غرس الزرع، وثواب مَن زرع زرعًا ينتفِع به الناس جاء في الحديث قوله -صلى الله عليه وسلم-: ( لَا يَغْرِسُ مُسْلِمٌ غَرْسًا، وَلَا يَزْرَعُ زَرْعًا، فَيَأْكُلَ مِنْهُ إِنْسَانٌ، وَلَا دَابَّةٌ، وَلَا شَيْءٌ، إِلَّا كَانَتْ لَهُ صَدَقَةً ) (رواه مسلم)، وفي رواية له: ( مَا مِنْ مُسْلِمٍ يَغْرِسُ غَرْسًا إِلَّا كَانَ مَا أُكِلَ مِنْهُ لَهُ صَدَقَةً، وَمَا سُرِقَ مِنْهُ لَهُ صَدَقَةٌ، وَمَا أَكَلَ السَّبُعُ مِنْهُ فَهُوَ لَهُ صَدَقَةٌ، وَمَا أَكَلَتِ الطَّيْرُ فَهُوَ لَهُ صَدَقَةٌ، وَلَا يَرْزَؤُهُ أَحَدٌ -أي: ينقصه- إِلَّا كَانَ لَهُ صَدَقَةٌ ). وفي رواية له أيضًا: ( فَلَا يَغْرِسُ الْمُسْلِمُ غَرْسًا، فَيَأْكُلَ مِنْهُ إِنْسَانٌ، وَلَا دَابَّةٌ، وَلَا طَيْرٌ، إِلَّا كَانَ لَهُ صَدَقَةً إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ ).
وبلغ من اهتمام الشرع بشأن الزراعة بذاتها ما ورد في السنة النبوية، قال -صلى الله عليه وسلم-: ( إِنْ قَامَتْ عَلَى أَحَدِكُمُ الْقِيَامَةُ، وَفِي يَدِهِ فَسِيلَةٌ فَلْيَغْرِسْهَا ) (رواه أحمد، وصححه الألباني) ، فإن هذه الفسيلة لن يدرك أحد نفعها مع قيام الساعة إذ تحتاج زمنًا طويلًا لنمائها والانتفاع بثمرها.
وبلغ من تنبيه النبي -صلى الله عليه وسلم- لأتباعه إلى فضل الزراعة وشدة حب أتباعه لها أن النبي -صلى الله عليه وسلم- أخبر أن البعض منهم قد اشتهى الزراعة وهو في الجنة، ففي صحيح البخاري عن أبي هريرة -رضي الله عنه- أن النبي -صلى الله عليه وسلم- كان يومًا يحدِّث أصحابه وعنده رجل أعرابي، فقال -صلى الله عليه وسلم-: ( أَنَّ رَجُلًا مِنْ أَهْلِ الجَنَّةِ اسْتَأْذَنَ رَبَّهُ فِي الزَّرْعِ، فَقَالَ لَهُ: أَلَسْتَ فِيمَا شِئْتَ؟ -أي: ألست تعيش في جنة فيها ما شئت من زروع وثمار- قَالَ: بَلَى، وَلَكِنِّي أُحِبُّ أَنْ أَزْرَعَ، قَالَ: فَبَذَرَ، فَبَادَرَ الطَّرْفَ نَبَاتُهُ وَاسْتِوَاؤُهُ وَاسْتِحْصَادُهُ، فَكَانَ أَمْثَالَ الجِبَالِ، فَيَقُولُ اللَّهُ: دُونَكَ يَا ابْنَ آدَمَ، فَإِنَّهُ لاَ يُشْبِعُكَ شَيْءٌ ) فَقَالَ الأَعْرَابِيُّ: وَاللَّهِ لاَ تَجِدُهُ إِلَّا قُرَشِيًّا، أَوْ أَنْصَارِيًّا، فَإِنَّهُمْ أَصْحَابُ زَرْعٍ، وَأَمَّا نَحْنُ فَلَسْنَا بِأَصْحَابِ زَرْعٍ، فَضَحِكَ النَّبِيُّ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-.
فإن قيل: هل في قوله -صلى الله عليه وسلم-: ( إِذَا تَبَايَعْتُمْ بِالْعِينَةِ، وَأَخَذْتُمْ أَذْنَابَ الْبَقَرِ -المراد الاشتغال بالحرث- وَرَضِيتُمْ بِالزَّرْعِ، وَتَرَكْتُمُ الْجِهَادَ ، سَلَّطَ اللَّهُ عَلَيْكُمْ ذُلًّا لَا يَنْزِعُهُ حَتَّى تَرْجِعُوا إِلَى دِينِكُمْ ) (رواه أبو داود، وصححه الألباني) ، ذم للزراعة والعمل بها؟
فالجواب: بالقطع لا، وإنما المذموم هو الانشغال بالزراعة عن الجهاد في سبيل الله تعالى، فالجهاد -جهاد الطلب أو جهاد الدفع- فرض كفاية، وقد يتعيَّن في أحوالٍ أو على أفرادٍ، فلا يجوز التقصير فيه، فالجهاد فرض كفاية وفيه إظهار الدِّين وعز الإسلام، والزراعة فرض كفاية وفيها إغناء المسلمين بحاجاتهم من الطعام والغذاء، فلا يصح الانشغال بهذا عن ذاك، والمسلمون ينبغي ألا تمنعهم عبادة أو تأسرهم عادة عن القيام بفروض الدين، سواء فروض العين أو فروض الكفاية، فلا يشغلهم الجهاد في سبيل الله -تعالى- عن قيام طائفة منهم بطلب العلم الواجب وتعليمه للأمة، قال -تعالى-: ( وَمَا كَانَ الْمُؤْمِنُونَ لِيَنْفِرُوا كَافَّةً فَلَوْلَا نَفَرَ مِنْ كُلِّ فِرْقَةٍ مِنْهُمْ طَائِفَةٌ لِيَتَفَقَّهُوا فِي الدِّينِ وَلِيُنْذِرُوا قَوْمَهُمْ إِذَا رَجَعُوا إِلَيْهِمْ لَعَلَّهُمْ يَحْذَرُونَ ) (التوبة:122) ، ولا تشغلهم تجارة أو بيع عن أداء الصلوات المفروضة، قال -تعالى-: ( فِي بُيُوتٍ أَذِنَ اللَّهُ أَنْ تُرْفَعَ وَيُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ يُسَبِّحُ لَهُ فِيهَا بِالْغُدُوِّ وَالْآصَالِ . رِجَالٌ لَا تُلْهِيهِمْ تِجَارَةٌ وَلَا بَيْعٌ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَإِقَامِ الصَّلَاةِ وَإِيتَاءِ الزَّكَاةِ يَخَافُونَ يَوْمًا تَتَقَلَّبُ فِيهِ الْقُلُوبُ وَالْأَبْصَارُ . لِيَجْزِيَهُمُ اللَّهُ أَحْسَنَ مَا عَمِلُوا وَيَزِيدَهُمْ مِنْ فَضْلِهِ وَاللَّهُ يَرْزُقُ مَنْ يَشَاءُ بِغَيْرِ حِسَابٍ ) (النور:36-38) ، وقال -تعالى-: ( يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نُودِيَ لِلصَّلَاةِ مِنْ يَوْمِ الْجُمُعَةِ فَاسْعَوْا إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ وَذَرُوا الْبَيْعَ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ ) (الجمعة:9) .
قال الشوكاني -رحمه الله-: "وقد حمل هذا على الاشتغال بالزرع في زمنٍ يتعين فيه الجهاد".
وأضاف: "قوله: ( وَتَرَكْتُمُ الْجِهَادَ ) أي: المتعين فعله" (نيل الأوطار) .
الزراعة من نعم الله على عباده: