شعار المكتبة الرقمية للدعوة السلفية
دخول ♡ قبسات

الفساد (101) أين دور الزراعة في الاقتصاد المصري؟ (3)‏

الشيخ علاء بكر • قضايا معاصرة

وفي بيان أن الزراعة التي تزخر بها الأرض نعمة كبرى، ومنة عظمى من الله -تعالى- على عباده؛ إذ لا غنى للإنسان وما يمتلكه أو ينتفع به من الحيوانات والطيور عن هذا الزرع؛ إذ قوام الحياة عليه، وبه تزدهر الحياة، يقول -تعالى-: ( فَلْيَنْظُرِ الْإِنْسَانُ إِلَى طَعَامِهِ . أَنَّا صَبَبْنَا الْمَاءَ صَبًّا . ثُمَّ شَقَقْنَا الْأَرْضَ شَقًّا . فَأَنْبَتْنَا فِيهَا حَبًّا . وَعِنَبًا وَقَضْبًا . وَزَيْتُونًا وَنَخْلًا . وَحَدَائِقَ غُلْبًا . وَفَاكِهَةً وَأَبًّا . مَتَاعًا لَكُمْ وَلِأَنْعَامِكُمْ ) (عبس:24-32) ، وقال -سبحانه وتعالى-: ( وَأَنْزَلْنَا مِنَ السَّمَاءِ مَاءً بِقَدَرٍ فَأَسْكَنَّاهُ فِي الْأَرْضِ وَإِنَّا عَلَى ذَهَابٍ بِهِ لَقَادِرُونَ . فَأَنْشَأْنَا لَكُمْ بِهِ جَنَّاتٍ مِنْ نَخِيلٍ وَأَعْنَابٍ لَكُمْ فِيهَا فَوَاكِهُ كَثِيرَةٌ وَمِنْهَا تَأْكُلُونَ . وَشَجَرَةً تَخْرُجُ مِنْ طُورِ سَيْنَاءَ تَنْبُتُ بِالدُّهْنِ وَصِبْغٍ لِلْآكِلِينَ ) (المؤمنون:18-20) .

والمقصود بالشجرة هنا: شجرة الزيتون (وخص طور سيناء بإنباتها فيه مع أنها تنبت فيه وفي غيره؛ لأنها أكثر ما تكون انتشارًا في هذه الأماكن، أو لأن منبتها الأصلي كان في هذه الأماكن، ثم انتقلت منه إلى غيره من الأماكن الأخرى. وقوله -سبحانه-: ( تَنْبُتُ بِالدُّهْنِ وَصِبْغٍ لِلْآكِلِينَ ) بيان لمنافع هذه الشجرة على سبيل المدح والتعليل لإفرادها بالذكر. والدهن: عصارة كل شيء ذي دسم، والمقصود به هنا زيت الزيتون. ولفظ الصبغ في الأصل يطلق على الشيء الذي يصبغ به الثوب. والمراد به هنا: الإدام الذي يحلو معه أكل الخبز والطعام. أي: أن مِن فوائد هذه الشجرة المباركة أنها يُتَّخَذ منها الزيت الذي ينتفع به، والإدام الذي يحلو معه أكل الخبز و الطعام).

وفي الحديث الشريف عن مالك بن ربيعة الساعدي أن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- قال: ( كُلُوا الزَّيْتَ وَادَّهِنُوا بِهِ فَإِنَّهُ مِنْ شَجَرَةٍ مُبَارَكَةٍ ) (رواه أحمد والترمذي، وصححه الألباني)، (راجع رسالة: حديث القرآن والسنة عن الزراعة، د. محمد سيد طنطاوي - هدية مجلة الأزهر - عدد ذي الحجة 1421 هـ، ص 45 - 46) ، فكل هذه الألوان من النعم إنما جاءت عن طريق الزراعة، يذكِّر الله عباده بها؛ ليزداد العبد شكرًا لله -تعالى- الواهب لهذه النعم.

وهذه النعم من الثمار والفواكه التي يتنعم بها الإنسان في الدنيا هي أيضًا ينعم الله بها على عباده المؤمنين، يتمتعون بها أيضًا في جنات النعيم في الآخرة، مع الفارق بين نعم الدنيا ونعم الآخرة، يقول -تعالى-: ( وَبَشِّرِ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ أَنَّ لَهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ كُلَّمَا رُزِقُوا مِنْهَا مِنْ ثَمَرَةٍ رِزْقًا قَالُوا هَذَا الَّذِي رُزِقْنَا مِنْ قَبْلُ وَأُتُوا بِهِ مُتَشَابِهًا وَلَهُمْ فِيهَا أَزْوَاجٌ مُطَهَّرَةٌ وَهُمْ فِيهَا خَالِدُونَ ) (البقرة:25) .

في الزراعة أمثال وحكم:

فمِن الجوانب التي اهتم القرآن الكريم بإبرازها وهو يتحدث عن الزراعة في مختلف مراحلها وصورها، جانب ضرب الأمثال بها؛ لشدة ارتباط الإنسان وتعلقه بها، (وضرب الأمثال من أنجح الأساليب، ومن أفضل الوسائل في هداية النفوس، وفي إقناع العقول، وفي تذكير الناس بما يجب عليهم نحو خالقهم -عز وجل- ونحو أنفسهم ونحو ذلك) (المصدر السابق، ص 17) .

ومن تلك الأمثلة: قوله -تعالى-: ( أَلَمْ تَرَ كَيْفَ ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا كَلِمَةً طَيِّبَةً كَشَجَرَةٍ طَيِّبَةٍ أَصْلُهَا ثَابِتٌ وَفَرْعُهَا فِي السَّمَاءِ . تُؤْتِي أُكُلَهَا كُلَّ حِينٍ بِإِذْنِ رَبِّهَا وَيَضْرِبُ اللَّهُ الْأَمْثَالَ لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ . وَمَثَلُ كَلِمَةٍ خَبِيثَةٍ كَشَجَرَةٍ خَبِيثَةٍ اجْتُثَّتْ مِنْ فَوْقِ الْأَرْضِ مَا لَهَا مِنْ قَرَارٍ ) (إبراهيم:24- 26) .

ومن الأمثلة البليغة في بيان سمو منزلة الذي ينفقون أموالهم في وجوه الخير والبر مثلًا ضربه القرآن الكريم عن طريق ذكر الحبوب والسنابل والزروع، في قوله -تعالى-: ( مَثَلُ الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ كَمَثَلِ حَبَّةٍ أَنْبَتَتْ سَبْعَ سَنَابِلَ فِي كُلِّ سُنْبُلَةٍ مِائَةُ حَبَّةٍ وَاللَّهُ يُضَاعِفُ لِمَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ ) (البقرة:261) .

قال ابن كثير -رحمه الله- في تفسيره: "وهذا المثل أبلغ في النفوس من ذكر عدد السبعمائة، فإن هذا فيه إشارة إلى أن الأعمال الصالحة ينميها الله -تعالى- لأصحابها كما ينمي الزرع لمَن بذره في الأرض الطيبة". مع ما فيه من تنبيه ولفت الأنظار إلى نعمة زرع الحبوب، وكثرة إنباتها.

الزراعة فيها دلالة على وحدانية الله وقدرته:

قال د. سيد طنطاوي: "مما قرأناه من علماء النفس والاجتماع: أن البلاد التي غالبية سكانها يشتغلون بالزراعة يكونون في الأغلب أكثر من غيرهم في إخلاص العبادة لله الواحد القهار، وفي التقرب إليه بالدعاء والاعتماد عليه -عز وجل- في أمور معاشهم. ولعل ذلك مرجعه إلى أن حراثة الأرض وإلقاء البذور، وانتظار خروج النبات منها، ثم تعهد هذا بالرعاية حتى يؤتي ثماره؛ كل ذلك يعين على التقرُّب إلى الله -تعالى- بالطاعة والدعاء، ما يعين على التذكر والاعتبار.

ولقد ساق القرآن صورًا متنوعة، وأدلة متعددة على وحدانية الله -تعالى- وقدرته عن طريق هذه الزراعات التي تزخر بها الأرض في المشارق والمغارب، ومن ذلك قوله -تعالى-: ( أَفَرَأَيْتُمْ مَا تَحْرُثُونَ . أَأَنْتُمْ تَزْرَعُونَهُ أَمْ نَحْنُ الزَّارِعُونَ . لَوْ نَشَاءُ لَجَعَلْنَاهُ حُطَامًا فَظَلْتُمْ تَفَكَّهُونَ . إِنَّا لَمُغْرَمُونَ . بَلْ نَحْنُ مَحْرُومُونَ ) (الواقعة:63-67) (المصدر السابق، ص 29) .

الصفحة السابقة الصفحة التالية