شعار المكتبة الرقمية للدعوة السلفية
دخول ♡ قبسات

أنواع الوفاء (4)

حسن حسونة • التزكية

الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد؛

فلا زال الحديث موصول بنا عن الوفاء وأهميته، وأنه خُلُق دعت له الشرائع الربانية من أول نوح -عليه السلام- إلى نبينا محمدٍ -صلى الله عليه وسلم-، وذكرنا من أنواع الوفاء: الوفاء مع الله، ومع رسول الله -صلى الله عليه وسلم-، وكلامنا هنا عن الوفاء مع صحابة رسول الله -صلى الله عليه وسلم- وآل بيته الكرام.

والصحابي: هو مَن لقي النبي -صلى الله عليه وسلم- مؤمنًا به ومات على ذلك، وإن تخللت فترة ردة على الصحيح من أقوال أهل العلم؛ حقق ذلك ابن حجر وغيره -رحمهم الله تعالى-.

وآل البيت: هم أقارب النبي -صلى الله عليه وسلم- المؤمنين منهم، ويدخل في ذلك: آل العباس، وآل جعفر، وآل علي، وآل عقيل، وبقية بني هاشم، وبني المطلب، ويدخل فيهم دخولًا أوليًّا زوجات النبي -صلى الله عليه وسلم-.

والصحابة الكرام وكذا آل البيت قوم مصطفون، أخيار أطهار اصطفاهم الله لصحبة رسوله -صلى الله عليه وسلم-، واقرأ أثر ابن مسعود -رضي الله عنه- في ذلك حينما يتكلم عن الاصطفاء لرسول الله -صلى الله عليه وسلم- لما اطلع الله علي قلوب الناس، فوجد قلب محمدٍ -صلى الله عليه وسلم- أفضل القلوب فاصطفاه لرسالته واطلع بعده على قلوب العباد فوجد قلب أصحابه أبر القلوب فاصطفاهم وجعلهم وزراءه، فمَن كان يريد الاقتداء فليقتدِ بمَن قد مات، فإن الحي لا تؤمن عليه الفتنة.

ثم إن الله أثنى عليهم في مواضع متعددة وأماكن متفرقة من كتابه، فقال الله -تعالى-: ( مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ تَرَاهُمْ رُكَّعًا سُجَّدًا يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَانًا سِيمَاهُمْ فِي وُجُوهِهِمْ مِنْ أَثَرِ السُّجُودِ ) (الفتح:29) ، وأثبت الله رضاه عنهم فقال: ( وَالسَّابِقُونَ الْأَوَّلُونَ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهُمْ بِإِحْسَانٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ وَأَعَدَّ لَهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي تَحْتَهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا ذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ ) (التوبة:100) .

وأثبت رضاه عن المبايعين لرسول الله -صلى الله عليه وسلم- تحت الشجرة، وكانوا ألف وأربعمائة فقال: ( لَقَدْ رَضِيَ اللَّهُ عَنِ الْمُؤْمِنِينَ إِذْ يُبَايِعُونَكَ تَحْتَ الشَّجَرَةِ فَعَلِمَ مَا فِي قُلُوبِهِمْ فَأَنْزَلَ السَّكِينَةَ عَلَيْهِمْ وَأَثَابَهُمْ فَتْحًا قَرِيبًا ) (الفتح:18) .

وخاطب الله هذه الأمة بالخيرية، والمُخَاطَب ابتداءً هم الصحابة: ( كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ ) (آل عمران:110) ، وبين وسطية هذه الأمة، ولا شك أن ذلك للصحابة ابتداءً ( وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيدًا ) (البقرة:143) ، والآيات كثيرة تشهد بثناء الله على أصحاب نبيه على وجه العموم، وعلى وجه الخصوص أيضًا كما في سورة الحشر الثناء على المهاجرين ثم بعدهم الأنصار.

وقد تربَّى هذا الجيل على معالي الأمور وترك سفسافها على يد المعلِّم الأول؛ رسول الله -صلى الله عليه وسلم-، فقدَّموا النفس والنفيس، والمال والولد والأهل أجمعين؛ لأجل هذا الدِّين، والمحافظة على سيد المرسلين، فاستحقوا الثناء الجميل من رسول الله -صلى الله عليه وسلم-، فقال: ( لَا تَسُبُّوا أَصْحَابِي، لَا تَسُبُّوا أَصْحَابِي، فَوَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لَوْ أَنَّ أَحَدَكُمْ أَنْفَقَ مِثْلَ أُحُدٍ ذَهَبًا، مَا أَدْرَكَ مُدَّ أَحَدِهِمْ، وَلَا نَصِيفَهُ ) (متفق عليه) ، وقال أيضًا: ( إِنَّ خَيْرَكُمْ قَرْنِي، ثُمَّ الَّذِينَ يَلُونَهُمْ، ثُمَّ الَّذِينَ يَلُونَهُمْ، ثُمَّ الَّذِينَ يَلُونَهُمْ ) (متفق عليه) .

وهذا مدح على وجه العموم، وجاء أيضًا المدح والثناء على وجه الخصوص للمهاجرين والأنصار، ولأفرادٍ: كالعشرة المبشرين بالجنة، وبلال، وخباب، وآل ياسر، وأبي ذر، والمقداد، وعكاشة بن محصن، وثابت بن قيس، وسعد بن معاذ، وغيرهم كثير؛ ثبت ذلك بالأسانيد الصحيحة عن رسول الله -صلى الله عليه وسلم-.

ولماذا الصحابة؟

لماذا الكلام عن هؤلاء الإعلام؛ لأنه قد جاء بعض الأقزام ليتكلموا في شأن الأعلام، ويتبجحون ويسخرون ويستهزؤون بهؤلاء الأعلام، وهذه كما يسميها البعض حرب إسقاط الرموز، ولأنهم الواسطة بين الرسول وبين الأمة في تبليغ الدين في تأدية القرآن والسنة، فإذا ما أسقط الرمز سقط الدين فضلًا عن أناسٍ قد بدت البغضاء من أفواههم وما تخفي صدورهم أكبر تجاه الصحابة الكرام، فإنهم بعد وفاة رسول الله -صلى الله عليه وسلم- وخلال ربع قرن من الزمان فتحوا المشارق والمغارب وأسقطوا أقوى إمبراطورتين في ذلك الزمان: الفرس والروم، فهناك من أصحاب القلوب المريضة ممَّن تربوا على موائد المستشرقين لم يعجبهم ذلك، فأخذوا في الطعن؛ فضلًا عن أهل الرفض من الشيعة وطعنهم في هؤلاء الإعلام الكبار، بل وأصل مذهبهم لا يقوم إلا على ذلك حتى في أورادهم وأذكارهم فيها سب لخيرة البشر بعد الأنبياء والمرسلين!

والسلف الصالح -رحمهم الله- في تأليفهم لكتب العقيدة لم يكونوا يخصصون الكلام عن الصحابة إلى أن ظهرت الانحرافات، فخصصوا بابًا يتكلم عن عقيدة أهل السنة في الصحابة وآل البيت، بعيدًا عن تكفير الشيعة لهم إلا النزر اليسير منهم! وبعيدًا عن تفسيق الخوارج لأصحاب النبي -صلى الله عليه وسلم-.

فالصحابة مصطفون من الله، وأنت حينما تتأمل لماذا كان من الأولياء: أبو بكر وعمر وعثمان وعلي والزبير وغيرهم، ولم يكن أبو جهل ولا أبو لهب، ولا عقبة بن أبي معيط، ولا عتبة وشيبة أبناء ربيعة، وغير هؤلاء مع أن الجميع رأى النبي -صلى الله عليه وسلم- وسمع منه، ودعاه للإسلام؛ فالإجابة حتمًا: أن هذا توفيق من الله، واصطفاء للصحب الكرام ( وَرَبُّكَ يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ وَيَخْتَارُ ) (القصص:68) .

الصفحة التالية