شعار المكتبة الرقمية للدعوة السلفية
دخول ♡ قبسات

أنواع الوفاء (4)

حسن حسونة • التزكية

فالوفاء للصحابة ولآل البيت يكون بمحبتهم والترضي عنهم، والاستغفار لهم، فعن أنس بن مالك -رضي الله عنه-: أَنَّ رَجُلًا سَأَلَ النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنِ السَّاعَةِ، فَقَالَ: مَتَى السَّاعَةُ؟ قَالَ: ( وَمَاذَا أَعْدَدْتَ لَهَا؟ ). قَالَ: لاَ شَيْءَ، إِلَّا أَنِّي أُحِبُّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-، فَقَالَ: ( أَنْتَ مَعَ مَنْ أَحْبَبْتَ ). قَالَ أَنَسٌ: فَمَا فَرِحْنَا بِشَيْءٍ، فَرَحَنَا بِقَوْلِ النَّبِيِّ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-: ( أَنْتَ مَعَ مَنْ أَحْبَبْتَ ) قَالَ أَنَسٌ: "فَأَنَا أُحِبُّ النَّبِيَّ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- وَأَبَا بَكْرٍ، وَعُمَرَ، وَأَرْجُو أَنْ أَكُونَ مَعَهُمْ بِحُبِّي إِيَّاهُمْ، وَإِنْ لَمْ أَعْمَلْ بِمِثْلِ أَعْمَالِهِمْ" (متفق عليه) . ونحن نقول: إننا نحب الله ورسوله -صلى الله عليه وسلم-، وجميع الصحب وآل البيت، ونرجو أن يجمعنا الله بهم.

وإذا كان حب الأنصار دليل الإيمان وبغضهم دليل النفاق كما ثبت في الحديث الصحيح، فما الحال بحب المهاجرين -رضي الله عنهم جميعًا-؟!

واعلم أنه لا تعارض إطلاقًا بين محبة الصحابة الكرام ومحبة آل البيت، بل نترضى على الجميع، ومَن وَجَد مِن نفسه أزمة في ذلك، فليعالج نفسه، ويستخرج مرض القلب في التفرقة بينهما؛ فهؤلاء صحابة وهؤلاء صحابة، وهذا الوفاء ذكره الله في سورة الحشر بعد ثنائه على المهاجرين والأنصار، فأخبر الله عن الأجيال التي تأتي من بعدهم ما هو الواجب عليهم تجاه المهاجرين والأنصار، فقال: ( وَالَّذِينَ جَاءُوا مِنْ بَعْدِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلِإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالْإِيمَانِ وَلَا تَجْعَلْ فِي قُلُوبِنَا غِلًّا لِلَّذِينَ آمَنُوا رَبَّنَا إِنَّكَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ ) (الحشر:10) .

فهذا الوفاء الأول من القرون المتتابعة لهم: ( رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلِإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالْإِيمَانِ ).

وهذا الوفاء الثاني: ( وَلَا تَجْعَلْ فِي قُلُوبِنَا غِلًّا لِلَّذِينَ آمَنُوا ): لا تجعل في قلوبنا غلًّا ولا حقدًا، ولا كرهًا لأحدٍ من صحابة رسول الله -صلى الله عليه وسلم-، وبخاصة مع كثرة الكذابين الذين ينقلون الأكاذيب على صحابة النبي -صلى الله عليه وسلم-، فإذا قرأت خبرًا؛ فإما أن يكون كذبًا فتأكد من صحته، وإما أن يكون صدقًا وله تفسيره وبيانه عند الصحابي، لكنه لم يصلك، ويجب أن تعلم أننا لا ندعي العصمة لهم، أو لأحدٍ غير الأنبياء والمرسلين، فهم يصيبون ويخطئون، ويكون ذلك عن اجتهاد، فمَن أصاب له أجران، ومَن أخطأ فله أجر واحد، ولهم ما لهم من السبق في الدين والأعمال الصالحة التي يغفر الله لهم بها هفوات وزلات، فقد وقع من بعضهم الذنب كالزنا مثلًا أو السرقة، ولكنهم سرعان ما تابوا، وبعضهم أقيم عليه حدٌ، وقد بيَّن النبي -صلى الله عليه وسلم- أنه تاب توبة لو قسمت بين أهل المدينة لوسعتهم.

والمهم من ذلك: أن نعلم أنهم بشر لهم مِن السبق والفضل والصحبة ما لغيرهم، ومع ذلك لا عصمة لهم فيقع بعضهم في الذنب إما تأويلًا أو شبهة، أو خطأ، أو نسيانًا، وكل ذلك موجود فلا نذكر لهم المسالب ونترك الفضائل الجمة لهم -رضوان الله عليهم-.

ومن الوفاء للصحابة ولآل البيت: أن ننزلهم منازلهم التي أنزلها لهم رسول الله -صلى الله عليه وسلم- فخير هذه الأمة بعد نبيها: أبو بكر الصديق ثم عمر بن الخطاب ثم عثمان بن عفان ثم علي بن أبي طالب ثم بقية العشرة ثم أهل بدر، ثم أهل بيعة الرضوان الذين ثبت في حقهم رضا الله عنهم، ثم المهاجرون الأولون ثم الأنصار، ثم مَن أنفق مِن قبل الفتح وقاتل، ثم مَن أنفق من بعد الفتح وقاتل، وهذا الترتيب يدخل فيه آل بيت النبي -صلى الله عليه وسلم- على حسب درجاتهم.

ومن الوفاء لهم: أن نعتقد أن الخليفة بعد رسول الله -صلى الله عليه وسلم- هو أبو بكر، وقد ألمح النبي -صلى الله عليه وسلم- إلى ذلك، فأمره أن يصلي بالناس في فترة مرضه، وبعده عمر -رضي الله عنه- بالتعيين من أبي بكر، وبعده عثمان حيث جعلها عمر -رضي الله عنه- شورى في ستة، هم: عثمان، وعلي، وعبد الرحمن بن عوف، وسعد بن أبي وقاص، وطلحة بن عبيد الله، والزبير بن العوام، فتنازل ثلاثة لثلاثة: طلحة وسعد والزبير، وقال عبد الرحمن: اجعلوها إلي فمَن بايعته فليبايعه الآخر بين عثمان وعلي، ثم طاف عبد الرحمن على المهاجرين والأنصار في ثلاثة أيام متتابعة، فما وجد أحدًا يعدل عن عثمان فبايعوه، ثم بعده علي بن أبي طالب، وبعده الحسن بن علي ستة أشهر ليستكمل الثلاثين سنة التي أخبر بها النبي -صلى الله عليه وسلم- عن الخلافة الراشدة، ثم تنازل الحسن -رضي الله عنه- عن الخلافة لمعاوية بن أبي سفيان -رضي الله عنه- على رأس الواحد والأربعين، وهو: "عام الجماعة"؛ حيث اجتمعت فيه كلمة أهل العراق مع كلمة أهل الشام، وليحقق الحسن حديث رسول الله -صلى الله عليه وسلم- من أن الله سيصلح به بين طائفتين عظيمتين من المسلمين.

الصفحة السابقة الصفحة التالية