أنواع الوفاء (4)
حسن حسونة • التزكية
ومن الوفاء للصحابة وآل البيت: السكوت عما جَرَى بينهم من الخلافات التي لأجلها وقعت المعارك بينهم، فقتل على إثرها مِن هؤلاء وهؤلاء، فكلهم مجتهد مثاب، وخطؤهم يغفره الوهاب، فعلي -رضي الله عنه- ومَن معه، ومعاوية -رضي الله عنه- ومَن معه؛ الكل اجتهد في مسألة، وهي: الأخذ بثأر عثمان -رضي الله عنه-، فرأى علي التمهل ليستتب الأمر، ورأى معاوية التعجل بالثأر لدم عثمان، والذي لا نشك فيه أن الحق مع علي -رضي الله عنه- وأن معاوية اجتهد فأخطأ، وبين هؤلاء وهؤلاء تدخل السبئيون -أتباع عبد الله بن سبأ اليهودي- بالمناوشات تارة، والإيقاع بين الصحابة تارة؛ إلى أن وقع ما يرجى عقباه، وكل ذلك بقدر الله الكوني، وبما أخبر به رسول الله -صلى الله عليه وسلم- في شأن عمار من أنه تقتله الفئة الباغية، وغير ذلك مما أخبر عنه النبي -صلى الله عليه وسلم-، لكن واجبنا نحن السكوت عما جَرَى بينهم، ونستغفر للجميع، فقد كان علي -رضي الله عنه- يجمع في آخر النهار قتلى الفريقين ويصلي عليهم، وقد سُئِل عمر بن عبد العزيز -رحمه الله- عن الذي وقع بين الصحابة، فقال: "فتنة عصم الله منها سيوفنا، فنعصم منها ألسنتنا".
فالكل له ما له من السبق والجهاد، والعمل الصالح، ما يغفر الله له بها من الهفوات، وقد قال أبو زرعة الرازي -رحمه الله-: "إذا رأيت أحدًا يتنقص أحدًا من أصحاب رسول الله -صلى الله عليه وسلم- فاعلم أنه زنديق -أي: منافق-، فهؤلاء شهودنا، وهم يريدون الطعن فيهم، والطعن بهؤلاء الزنادقة أولى".
هذا بعض الوفاء لأصحاب رسول الله -صلى الله عليه وسلم-، وغيرها أكثر، فنسأل الله أن يجمعنا بهم على حوض رسول الله -صلى الله عليه وسلم-، وأن يلحقنا بهم غير مبدِّلين. آمين.