الدين الإبراهيمي بين الحقيقة والضلال (30)
الشيخ ياسر برهامي • المنهج السلفي
قصة بناء الكعبة (28)
الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد؛
قال الله -تعالى-: ( وَقَالُوا كُونُوا هُودًا أَوْ نَصَارَى تَهْتَدُوا قُلْ بَلْ مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ . قُولُوا آمَنَّا بِاللَّهِ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْنَا وَمَا أُنْزِلَ إِلَى إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ وَالْأَسْبَاطِ وَمَا أُوتِيَ مُوسَى وَعِيسَى وَمَا أُوتِيَ النَّبِيُّونَ مِنْ رَبِّهِمْ لَا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْهُمْ وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ ) (البقرة:135-136) .
إن الدعوة المعاصرة لاعتبار الأديان الثلاثة -اليهودية والنصرانية والإسلام- هم أتباع الدين الإبراهيمي؛ باعتبار انتساب كل أتباعهم إلى إبراهيم -صلى الله عليه وسلم- دون النظر إلى حقيقة دين إبراهيم وملته؛ من توحيد الله، وترك الشرك به، والبراءة منه ومن أهله، والإيمان برسل الله جميعًا الذين جعلهم الله مِن بعده مِن ذريته؛ هذه الدعوة دعوة مخالفة لصريح القرآن، وهي متضمنة لقبول تكذيب الرسول -صلى الله عليه وسلم-، والقرآن العظيم.
بل أعظم مِن ذلك: قبول الشرك الذي أحدثه أتباع اليهودية والنصرانية بعد قرون من التوحيد بقي عليه أتباع الأنبياء موسى وعيسى -صلى الله عليهما وسلم- قبل أن يقع التبديل، كما قال -تعالى-: ( وَقَالَتِ الْيَهُودُ عُزَيْرٌ ابْنُ اللَّهِ وَقَالَتِ النَّصَارَى الْمَسِيحُ ابْنُ اللَّهِ ذَلِكَ قَوْلُهُمْ بِأَفْوَاهِهِمْ يُضَاهِئُونَ قَوْلَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ قَبْلُ قَاتَلَهُمُ اللَّهُ أَنَّى يُؤْفَكُونَ . اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ وَالْمَسِيحَ ابْنَ مَرْيَمَ وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا إِلَهًا وَاحِدًا لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ سُبْحَانَهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ . يُرِيدُونَ أَنْ يُطْفِئُوا نُورَ اللَّهِ بِأَفْوَاهِهِمْ وَيَأْبَى اللَّهُ إِلَّا أَنْ يُتِمَّ نُورَهُ وَلَوْ كَرِهَ الْكَافِرُونَ . هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَى وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَلَوْ كَرِهَ الْمُشْرِكُونَ ) (التوبة: 30-33) .
وقال -تعالى-: ( قَدْ كَانَتْ لَكُمْ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ فِي إِبْرَاهِيمَ وَالَّذِينَ مَعَهُ إِذْ قَالُوا لِقَوْمِهِمْ إِنَّا بُرَآءُ مِنْكُمْ وَمِمَّا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ كَفَرْنَا بِكُمْ وَبَدَا بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمُ الْعَدَاوَةُ وَالْبَغْضَاءُ أَبَدًا حَتَّى تُؤْمِنُوا بِاللَّهِ وَحْدَهُ إِلَّا قَوْلَ إِبْرَاهِيمَ لِأَبِيهِ لَأَسْتَغْفِرَنَّ لَكَ وَمَا أَمْلِكُ لَكَ مِنَ اللَّهِ مِنْ شَيْءٍ رَبَّنَا عَلَيْكَ تَوَكَّلْنَا وَإِلَيْكَ أَنَبْنَا وَإِلَيْكَ الْمَصِيرُ ) (الممتحنة:4) .
وهذه الآية الكريمة -التي نتناولها اليوم بالحديث عنها- تنسف دعوة المساواة الباطلة بين الأديان الثلاثة نسفًا؛ فضلًا عن غيرها من الأديان، وقوله -تعالى-: ( وَقَالُوا كُونُوا هُودًا أَوْ نَصَارَى تَهْتَدُوا قُلْ بَلْ مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ ): يدل دلالة قاطعة أن ملة إبراهيم هي غير اليهودية والنصرانية؛ بل هي الحنيفية القائمة على إخلاص توجُّه القلب لله -تعالى-، والميل إليه والإعراض عن غيره، والاستقامة على ذلك بتوحيده واتباع رسله، والصلاة إلى البيت الذي بناه؛ الكعبة المشرفة، بيت الله الحرام، والحج إليه، واتباع الشريعة التي خُتمت بها الرسالات والشرائع التي أنزلها الله على الأنبياء من ذرية إبراهيم من بعده.
وقد نسخ الله -عز وجل- بهذه الرسالة الإسلامية التي جاء بها محمدٌ -صلى الله عليه وسلم- كل ما حدث من الشرائع قبلها، فلم يعد ممكنًا لأحدٍ أن ينتسِب إلى إبراهيم أو إلى موسى أو إلى عيسى -صلى الله عليهم وسلم- إلا باتباع هذه الشريعة الإسلامية التي جاء بها محمد -صلى الله عليه وسلم-، والإيمان به وبالقرآن الذي أنزله الله عليه، والبراءة من الشرك، كما نصَّت عليه هذه الآية الكريمة بقوله: ( وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ ).
وقد تضمنت أنه قد حدث في اليهودية والنصرانية من شرك عبادة الأحبار والرهبان، وشرك عبادة المسيح، والكفر بتكذيب الأنبياء وقتلهم؛ ما يجب التبرؤ منه، وتبرئة إبراهيم منه، بقوله: ( وَمَا أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ ) (الأنعام:79) .
قال ابن كثير -رحمه الله-: "عن ابن عباس، قال: قال عَبْدُ اللهِ بنُ صُوريَّا الأعور لِرَسولِ اللهِ -صلى الله عليه وسلم-: مَا الهُدَى إِلَّا مَا نَحْنُ عَلَيْهِ، فَاتَّبِعْنَا يَا مُحَمَّدُ تَهْتَدِ. وقالت النَّصارى مِثْلُ ذَلِكَ. فَأَنْزَلَ اللهُ -عزَّ وجَلَّ-: ( كُونُوا هُودًا أَوْ نَصَارَى تَهْتَدُوا )".
وقوله: ( بَلْ مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا ) أي: لا نريد ما دعوتمونا إليه من اليهودية والنصرانية؛ بل نتبع ملة إبراهيم حنيفًا؛ أي: مستقيمًا. قاله محمد بن كعب القرظي وعيسى بن جارية.
وقال خُصيف عن مجاهد: مُخلصًا. وروى علي بن أبي طلحة عن ابن عباس: حاجًّا. وكذا رُوي عن الحسن والضحاك وعطية والسُّدي. وقال أبو العالية: الحنيف: الذي يستقبل البيت بصلاته، ويرى أن حَجَّه عليه إن استطاع إليه سبيلًا.
وقال مجاهد، والربيع بن أنس: "حَنِيْفًا"، أي: مُتَّبِعًا. وقال أبو قِلَابة: الحنيف: الذي يؤمن بالرسل كلهم من أولهم إلى آخرهم. وقال قتادة: الحنيفية: شهادة أن لا إله إلا الله؛ يدخل فيها تحريم الأمهات والبنات، والخالات والعمات، وما حرَّم الله -عز وجل-، والختان.
قوله -تعالى-: ( قُولُوا آمَنَّا بِاللَّهِ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْنَا وَمَا أُنْزِلَ إِلَى إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ وَالْأَسْبَاطِ وَمَا أُوتِيَ مُوسَى وَعِيسَى وَمَا أُوتِيَ النَّبِيُّونَ مِنْ رَبِّهِمْ لَا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْهُمْ وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ ) (البقرة:136) .