الدين الإبراهيمي بين الحقيقة والضلال (30)
الشيخ ياسر برهامي • المنهج السلفي
أرشد الله -تعالى- عباده المؤمنين إلى الإيمان بما أُنزل إليهم بواسطة رسوله محمد -صلى الله عليه وسلم- مُفصَّلًا، وما أُنزل على الأنبياء المتقدمين مُجملًا، ونصَّ على أعيان من الرسل، وأجمل ذكر بقية الأنبياء، وأن لا يُفرقوا بين أحد منهم؛ بل يؤمنوا بهم كلهم، ولا يكونوا كمَن قال الله فيهم: ( وَيُرِيدُونَ أَنْ يُفَرِّقُوا بَيْنَ اللَّهِ وَرُسُلِهِ وَيَقُولُونَ نُؤْمِنُ بِبَعْضٍ وَنَكْفُرُ بِبَعْضٍ وَيُرِيدُونَ أَنْ يَتَّخِذُوا بَيْنَ ذَلِكَ سَبِيلًا . أُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ حَقًّا وَأَعْتَدْنَا لِلْكَافِرِينَ عَذَابًا مُهِينًا ) (النساء:150-151) .
روى البخاري: عن أبي هريرة، قال: كانَ أَهلُ الكتابِ يقرءونَ التَّوراةَ بالعِبرانيَّةِ ويُفَسِّرُونها بِالعَرَبيَّةِ لأَهلِ الإسلامِ، فقالَ رسولُ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم-: ( لا تصدِّقوا أَهلَ الْكتابِ ولا تُكذِّبوهم، وقولوا آمَنّا بِالَّذِي أُنْزِلَ إِلَيْنا وَأُنْزِلَ إِلَيْكُمْ ).
وقد روى مسلم وأبو داود والنسائي عن ابن عباس، قال: كان أكثَرُ ما يُصَلِّي رَسولُ اللهِ -صلى الله عليه وسلم- الرَّكعَتَيْنِ اللَّتَيْنِ قَبلَ الفَجرِ: ( آمَنّا بِاللَّهِ وَما أُنْزِلَ إِلَيْنا وَما أُنْزِلَ إِلى إِبْراهِيمَ وَإِسْماعِيلَ ) (البقرة: ???) ، إلى آخِرِ الآيةِ، والأُخرى: ( آمَنّا بِاللَّهِ واشْهَدْ بِأَنّا مُسْلِمُونَ ) (آل عمران: ??) .
وقال أبو العالية والربيع وقتادة: الأسباط: بنو يعقوب اثنا عشر رجلًا، وَلَدَ كلُّ رجل منهم أمة من الناس، فسمُّوا الأسباط.
وقال الخليل بن أحمد وغيره: الأسباط في بني إسرائيل كالقبائل في بني إسماعيل. وقال الزمخشري في الكشاف: الأسباط: حَفَدة يعقوب، ذراري أبنائه الاثني عشر. وقد نقله الرازي عنه، وقرره ولم يعارضه.
وقال البخاري: الأسباط: قبائل بني إسرائيل. وهذا يقتضي أن المراد بالأسباط هاهنا شعوب بني إسرائيل، وما أنزل الله -تعالى- من الوحي على الأنبياء الموجودين منهم، كما قال موسى لهم: ( اذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ جَعَلَ فِيكُمْ أَنبِيَاءَ وَجَعَلَكُم مُّلُوكًا ) (المائدة:20)، وقال -تعالى-: ( وَقَطَّعْنَاهُمُ اثْنَتَيْ عَشْرَةَ أَسْبَاطًا أُمَمًا ) (الأعراف:160) .
وقال القرطبي: وسموا الأسباط من السبط، وهو التتابع، فهم جماعة. وقيل: أصله من السَبَط، بالتحريك، وهو الشجر، أي: هم في الكثرة بمنزلة الشجر، الواحدة سَبْطَة.
قال الزجاج: ويبيِّن لك هذا: ما حدثنا محمد بن جعفر الأنباري، وساق السند عن ابن عباس، قال: كل الأنبياء من بني إسرائيل إلا عشرة: نوح وهود وصالح وشعيب وإبراهيم ولوط وإسحاق ويعقوب وإسماعيل ومحمد -عليهم الصلاة والسلام-. قال القرطبي: والسَبَط: الجماعة، والقبيلة الراجعون إلى أصل واحد.
وقال قتادة: أمر الله المؤمنين أن يؤمنوا به، ويصدقوا بكتبه كلها ورسله.
وقال سليمان بن حبيب: إنما أُمرنا أن نؤمن بالتوراة والإنجيل، ولا نعمل بما فيهما.
روى ابن أبي حاتم: عن مَعْقِل بن يسار قال: قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: "آمِنُوا بِالتَّوْرَاةِ وَالزَّبُورِ وَالْإِنْجِيلِ وليسَعْكمُ الْقُرْآنُ" (انتهى من تفسير ابن كثير) .
والصواب في نبوة أبناء يعقوب: أن النبي منهم هو يوسف -صلى الله عليه وسلم-، وأما الأسباط الذين ذكرهم الله في هذه الآية: فهم الأنبياء مِن ذريتهم، فكل أنبياء بني إسرائيل الذين مِن ذرية أبناء يعقوب -صلى الله عليه وسلم- هم المقصودون في هذه الآية، وليس أن كل أبناء يعقوب الأحد عشر -غير يوسف- أنبياء؛ لأن الله -عز وجل- لم يجعل فيما سلف من صفاتهم قبل التوبة ما يتناسب مع أخلاق الأنبياء -صلى الله عليهم وسلم-.
ومعنى قوله: ( لَا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ ) أي: في الإيمان، وليس معنى ذلك عدم التفضيل؛ فبالإجماع محمد -صلى الله عليه وسلم- أفضل رسل الله؛ بل أفضل خلق الله، ثم إبراهيم -عليه الصلاة والسلام-؛ لقول النبي -صلى الله عليه وسلم- لمَن قال له: يا خير البرية، قال: ( ذَاكَ إِبْرَاهِيْمُ -عَلَيْهِ السَّلَامُ- ) (رواه مسلم) ، وذلك قبل أن يُوحى إليه أنه سيد الناس يوم القيامة، أو قال ذلك تواضعًا مع أبيه الخليل -صلى الله عليه وسلم-؛ وإلا فإبراهيم قال -كما ثبت في الصحيحين-: ( إِنَّما كُنْتُ خَلِيلًا مِنْ وَرَاءِ وَرَاءِ )، فَخُلَّة الرسول -صلى الله عليه وسلم- مُقَدَّمة، وبعد إبراهيم -صلى الله عليه وسلم- موسى -صلى الله عليه وسلم-، كما نقل ذلك الإمام أبو الحسن الأشعري عن أهل السنة، وهو الظاهر من أحاديث المعراج الكثيرة التي فيها أن موسى -صلى الله عليه وسلم- بعد إبراهيم في المنزلة، والله أعلى وأعلم.
وهذه الآية الكريمة التي كان الرسول -صلى الله عليه وسلم- يقرأ بها كثيرًا في سنة الصبح؛ مع قوله -سبحانه وتعالى-: ( قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ تَعَالَوْا إِلَى كَلِمَةٍ سَوَاءٍ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ أَلَّا نَعْبُدَ إِلَّا اللَّهَ وَلَا نُشْرِكَ بِهِ شَيْئًا وَلَا يَتَّخِذَ بَعْضُنَا بَعْضًا أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ فَإِنْ تَوَلَّوْا فَقُولُوا اشْهَدُوا بِأَنَّا مُسْلِمُونَ ) (آل عمران:64) ، كما ورد ذلك في صحيح مسلم، أو الآية الأخرى -على اختلاف الروايات-: ( فَلَمَّا أَحَسَّ عِيسَى مِنْهُمُ الْكُفْرَ قَالَ مَنْ أَنصَارِي إِلَى اللَّهِ قَالَ الْحَوَارِيُّونَ نَحْنُ أَنصَارُ اللَّهِ آمَنَّا بِاللَّهِ وَاشْهَدْ بِأَنَّا مُسْلِمُونَ ) (آل عمران:52) ؛ لَيَدُلُّنا على أن دين الإسلام هو دين الأنبياء جميعًا -صلى الله عليهم وسلم أجمعين-، ورزقنا الله -عز وجل- رفقتهم في الآخرة، وألحقنا بهم صالحين.