الفساد (102) أين دور الزراعة في الاقتصاد المصري؟ (4)
الشيخ علاء بكر • قضايا معاصرة
الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد؛
فـ(يشكل تراجع مساحة زراعات المحاصيل الإستراتيجية في مصر خلال السنوات الأخيرة على الرغم من تزايد مساحة الأراضي الزراعية أزمة؛ نتيجة لسياساتٍ زراعيةٍ تم تطبيقها والأخذ بها خلال السنوات الماضية، اتسمت بالخطأ والعشوائية، وهو ما أدَّى في النهاية إلى البدء في الاستيراد. الواقع يقول: إن مصر دولة زراعية، وليس منطقيًّا أن تستورد احتياجاتها الزراعية من الخارج!).
(وكانت مصر بعد ثورة 23 يوليو عام 1952 قد وضعت سياسة زراعية، وخططًا خمسية وعشرية، وخططًا طويلة الأمد لتوفير ما أسمته وقتها بالمحاصيل الغذائية الصناعية أو المحاصيل الإستراتيجية، وهي المحاصيل التي تدخل في توفير غذاء المصريين، وكذلك التي كانت تقوم عليها الصناعات في مصر).
(كانت محاصيل القمح والأرز، والقطن، وقصب السكر، والذرة، والفول البلدي هي أهم الحاصلات التي تتم زراعتها في الدورة الزراعية أو ما كان يسمَّى بالتركيب المحصولي، وكان يدخل معها مساحات بسيطة من البصل والثوم والعدس، ودوار الشمس، وجانب من مساحة الخضروات التي لا تذكر) (راجع ملف: "الزراعة: طوق الخروج من عنق الزجاجة" جريدة صوت الأمة - عدد 19 يناير 2019 م، ص 5 بتصرفٍ) .
ماذا فعل "يوسف والي" في الزراعة المصرية:
(لكن هذه السياسة الزراعية اختفت بعد ذلك خلال الـ 30 عامًا الأخيرة بدخول زراعة المحاصيل التصديرية أو المحاصيل الربحية في سياسة الزراعة بمساحاتٍ كبيرةٍ؛ خاصة عندما تولَّى الدكتور يوسف والي ملف الزراعة لأكثر من 22 عامًا متصلة، وخلالها تم تثبيت هذه السياسة وحلَّت محاصيل زراعية جديدة محل الحاصلات الزراعية الإستراتيجية القديمة، وبدأ المزارعون والشركات في التوسع في زراعتها، مثل: البطاطس، وبنجر السكر، والموالح والفراولة، والكانتلوب، والعنب، والمانجو، والرمان، وغيرها.
وللحقيقة فقد كانت بعض هذه المحاصيل تتم زراعتها بمساحاتٍ بسيطةٍ غير أنها شيئًا فشيئًا أخذت في التهام مساحات زراعات القمح والقصب، والفول والذرة والأرز؛ حتى تفاقمت فجوة مساحة وإنتاجية المحاصيل الرئيسية اللازمة لرغيف الخبز، وغذاء غالبية المصريين، مثل: القمح والأرز، والفول والقصب لحساب الزراعات التصديرية الربحية التعاقدية) (المصدر السابق) .
ويوسف والي: هو يوسف محمد أمين موسى ميزار، وُلِد في الفيوم في 2 أبريل 1930، شغل منصب وزير الزراعة من 4 يناير 1982 حتى 2004، كما عُيِّن أيضًا نائبًا لرئيس الوزراء، ثم صار الأمين العام للحزب الوطني الحاكم في عهد الرئيس الراحل حسني مبارك، فكان أحد أبرز رجاله بعد ثورة 25 يناير 2011 اتهم بقضايا فساد عديدة، لكنه حصل على البراءة من تهمة فساد الذمة المالية واستيراد مبيدات مسرطنة، توفي في 5 سبتمبر 2020.
يذكر (د. موسى فتحي عتلم) أستاذ الجغرافيا الاقتصادية المساعد بكلية الآداب جامعة المنوفية: أن الخريطة الزراعية في مصر قد شهدت في السنوات الأخيرة (تغيرات جوهرية واضحة، كان مِن أهمها: تضاؤل مساحة القطن وانكماشه في عددٍ محدودٍ من المناطق، وبالتالي: انخفاض إنتاجه والعائد منه، والزيادة الواضحة في مساحة الخضروات التي بلغت نسبة مساحتها 8و11% من المساحة المحصولية في مصر عام 2017/2018. كذلك زيادة مساحة الفواكه لتصل إلى 3و8 % في العام ذاته مقابل 5 و7 % مساحتها عام 1990)، بينما ارتفعت مكانة القمح إلى المرتبة الأولى)، (بنسبة 4 و18 % من المساحة المحصولية في مصر عام 2017/2018) مقابل نسبة 1 و16 % من المساحة المحصولية عام 1990. واحتلت الذرة (المرتبة الثانية في المساحة المحصولية بنسبة 5 و16 %)، مقابل (نسبة 2 و15 % من المساحة المحصولية عام 1989/ 1990، ويعود هذا الارتفاع في مساحة الذرة إلى تزايد الطلب عليه كعلف للحيوان ونجاح زراعته أكثر من مرة في العام، بينما مثَّل (بتشديد الثاء) البرسيم المرتبة الثالثة بنسبة 3 و13 % من المساحة المحصولية) مقابل 1و20 % من المساحة المحصولية، (ويعود هذا التناقص في الوزن النسبي لمساحة البرسيم إلى التحول الكبير في الاعتماد على الذرة كمحصول لغذاء الحيوان عن طريق الدريس، بعد أن كان جزءًا كبيرًا من إنتاجه يدخل كغذاء للإنسان)، بينما تراجع القطن حيث بلغ (نسبة 4 و1 % فقط من المساحة المحصولية عام 2017 /2018) بعد أن كانت نسبته 2 و8 % من المساحة المحصولية عام 1989/1990، بينما (جاء الأرز في المرتبة الرابعة بنسبة 3 و8 % من المساحة المحصولية) عام 2017/2018 مقابل (56 و8 % من المساحة المحصولية عام 1989/ 1990، وجاءت باقي المحاصيل في مراتب متأخرة عن المحاصيل السابقة) (انظر ما كتبه د. موسى فتحي عن كتاب: "من خريطة الزراعة المصرية" للدكتور جمال حمدان من كتاب: "التراث الفكري لجمال حمدان" تحرير د. فتحي محمد مصيلحي ط. الهيئة المصرية العامة للكتاب ط. أولى 2020، ص141 - 142 بتصرفٍ واختصارٍ) .
تجريف وتبوير:
قال الأستاذ علاء ثابت رئيس تحرير جريدة الأهرام القاهرية: (مشروع مستقبل مصر يزحف على الصحراء ليعمرها، يحول رمالها إلى كنوز، على النقيض من مشاريع التجريف التي أفقدت مصر نحو مليوني فدان من أجود أراضيها، وحولتها إلى مبان عشوائية، وأحرقت طمي النيل وحولته إلى طوب أحمر في قمائن تنفث مداخنها الدخان الأسود في كل أنحاء الوادي والدلتا، وكانت الحكومات تغض البصر عن تلك الجرائم الخطيرة على مستقبل مصر؛ إما بسبب الفساد الذي استشرى في المحليات، وأنتج فئات من المستفيدين من تجريف تربة مصر وتحويل أراضيها الزراعية الخصبة إلى أرض بناء تباع بعشرات أضعاف سعر الأرض الزراعية، وأخرون تعمدوا تبوير أراضيهم، وفئات أخرى تنتفع من استخراج تراخيص بناء بالتحايل على القوانين أو تتجاوز في عدد الأدوار ليتمدد البناء ويلتهم ثروة مصر الزراعية) (من مقال: رئيس تحرير الأهرام علاء ثابت - الأهرام - عدد الجمعة 2 يوليو 2021، ص7) .