شعار المكتبة الرقمية للدعوة السلفية
دخول ♡ قبسات

الفساد (102) أين دور الزراعة في الاقتصاد المصري؟ (4)

الشيخ علاء بكر • قضايا معاصرة

إن المأمول من قطاع الزراعة في مصر عدة أمور، أولها بالطبع: تحقيق الاكتفاء الذاتي من الغذاء والمنتجات الزراعية بتوفير المحاصيل الزراعية الأساسية لسد حاجات الأمة من الطعام، وفي مقدمتها: القمح والأرز والذرة، وتوفير المحاصيل الزراعية الداخلة في العديد من الصناعات، وفي مقدمتها: بالطبع القطن وقصب السكر والبنجر. وثانيًا: تقليل فاتورة استيراد المواد الغذائية والمنتجات الزراعية من الخارج بقدر الإمكان. وثالثًا: فتح المجال أمام المحاصيل والمنتجات الزراعية المحلية للتصدير للخارج.

وقد أصدرت وزارة الزراعة واستصلاح الأراضي تقريرًا عن إستراتيجية التنمية الزراعية المستدامة حتى عام 2030، واحتوى الجزء الأول منه على تحليل لأداء القطاع الزراعي منذ عام 1980، وحتى 2007. وأكَّد التقرير: أن المساحة المنزرعة زادت من 87 و5 مليون فدان عام 1980 إلى 12 مليون فدان عام 2007، وأن الصادرات المصرية ظلت لفترة طويلة من الزمن محصورة في 4 محاصيل رئيسية وهي القطن والأرز والبصل والموالح، ومنذ فترة التسعينيات بدأت مرحلة التحول الجذري في هيكل تجارة الصادرات الزراعية، حيث تنوعت محصوليًّا واتسعت سوقيًّا، وتضاعفت من حيث القيمة والعائد التصديري.

ومما يؤكِّد ذلك: أن جملة قيمة الصادرات الزراعية بلغت حوالي مليار و230 مليون دولار سنويًّا خلال الثلاث سنوات الأخيرة من عام 2005 - 2007، وكانت تشكل المحاصيل الـ4 وقتها حوالي 50 % من الحصيلة التصديرية، والباقي كان حصيلة تصديرية للعديد من الحاصلات الأخرى، مثل: الخضر والفاكهة، والنباتات الطبية والعطرية، كما اتسعت الدائرة التسويقية للصادرات المصرية فلم تعد قاصرة على السوق العربية والأوروبية، بل انتشرت لتصل إلى العديد من الأسواق الإفريقية وجنوب شرق آسيا، وغيرها من أسواق الاستيراد الرئيسية على النطاق العالمي، حتى بلغت الصادرات في عام 2018 وَفْق تقرير حديث لوزارة الزراعة حوالي 5 ملايين و200 ألف طن من 13 محصولًا زراعيًّا تجاوزت قيمتها 2 مليار دولار) (صوت الأمة - عدد 19 يناير، ص 5) .

خريطة طريق لإعادة زراعة المحاصيل الإستراتيجية:

يرى بعض المتخصصين في شئون الزراعة في مصر أنه يمكن استعادة زراعة المحاصيل الإستراتيجية في مصر من جديد من خلال:

أولًا: إعادة العمل بالتركيب المحصولي والدورة الزراعية مرة أخرى لجدولة أعمال الزراعة المصرية بعد أن هجرناها طويلًا.

ثانيًا: تفعيل آليات وقوانين الزراعة التعاقدية، حتى يضمن الفلاح والمزارع أنه سيزرع محصولًا، ويجد من يشتريه أو مَن يتسلمه منه، أو يضمن توريده بمقابل مادي معقول ومربح، ويحصل خلال الزراعة على التقاوي، والمبيدات، والأسمدة والخدمة الزراعية في مقابل توريد المحصول.

ثالثًا: تقييم المحاصيل تقييمًا علميًّا صحيحًا، فمثلًا: كل الحديث حاليًا عن قصب السكر أنه يأخذ كميات كبيرة من المياه، فيقدم عليه البنجر.

والحقيقة: أن فدان القصب يعطي 4 طن سكر، بينما يعطي فدان البنجر 2 طن، والقصب تقوم عليه 23 صناعة أخرى، والتقاوي الخاصة بالقصب محلية مصرية، بينما البنجر يتم استيراد تقاويه، كما أن زراعة البنجر تتم أكثر من عروة فيستهلك مياها أكثر من القصب. وشبيه بذلك موضوع الأرز الذي تصفه وزارة الري بأنه يستهلك مياهًا أكثر، بينما هو محصول مهم لمحافظات شمال الدلتا؛ لأن الأرض ملوحتها زائدة، وتحتاج هذا المحصول على وجه الخصوص، علاوة على أن كمية النشا في الأرز أكثر من القمح بكثير.

رابعًا: أن يحصل المزارع على سعر مجز لزراعة المحصول الإستراتيجي؛ لأنه لا يعقل أن يزرع الفلاح طوال الموسم دون الحصول على مقابل ما أنفقه على زراعته، ثم هامش ربح يشجعه على تكرار زراعة المحصول.

ومثال لذلك: زراعة القطن، فلدينا قطن طويل التيلة، وفائق الطول وممتاز يتلهف العالم على زراعته ومنتجاته، لكننا لا نزرعه نتيجة أن مصانع الغزل تم تصميمها على القطن قصير التيلة (الملف السابق، ص 5) .

مركز الزراعات التعاقدية:

مركز صدر قرار إنشائه في 2015، دوره الرئيسي هو التسويق، ولكنه ليس له دورًا فعَّالًا؛ حيث إنه لا بد من إعلان أسعار شراء (توريد) المحاصيل الإستراتيجية من الفلاح مقدمًا قبل أو في بداية الموسم الزراعي لكل محصول، على أن تكون تلك الأسعار معلنة ومجدية للفلاح والمزارع، وألا يتم ربط سعر التوريد بالأسعار العالمية حيث من شأن ذلك أن يجعل الفلاح عرضة للخسارة بسبب تقلبات الأسعار العالمية، وانخفاضها في بعض الأحيان، حتى لو اضطرت الدولة لدعم الفلاح أو المزارع في إنتاج تلك المحاصيل حتى لا يكون ذلك سببًا في عزوف الفلاحين والمزارعين عن زراعتها؛ مما يجعل البلاد عرضة لعدم الوفاء بالاحتياجات في مرحلة من مراحله إذا توقف استيراد تلك السلع من المصدر تبعًا لظروفه (انظر المصدر السابق، ص 6) .

مأساة زراعة القطن في مصر:

اشتهرت مصر لفتراتٍ طويلةٍ بزراعة القطن وقد كان يعد محصولًا إستراتيجيًّا يحظى باهتمام الدولة لأهميته الاقتصادية ومكانته العالمية وسمعته الطيبة؛ إذ كان محصولًا تصديريًّا يتمتع بميزة نسبية بين الأقطان، إذ كان أعلاها جودة ومتانة، وتقوم عليه -وما زالت- صناعات عديدة من منسوجات واستخلاص زيوت وأعلاف حيوان .

كان الفلاح المصري حريصًا على زراعة القطن؛ لما يعود عليه من الربح الوفير، حيث كانت تتولى الدولة له تسويقه بسعر معقول، ومَرَّت الأيام لتفقد زراعة القطن مكانتها وتتراجع المساحات المزروعة من القطن ويعزف الفلاح عن زراعته؛ لئلا يتعرض للخسارة، وتدهورت صناعة الغزل والنسيج في مصر، وقَلَّ نصيب القطن في التصدير للخارج، بل أصبحنا نستورد للقطن لاستمرار ما بقي من مصانع الغزل والنسيج عندنا! إن مأساة زراعة القطن وما آلت إليه أوضاعه نموذج صارخ لأحوال الزراعة والاقتصاد في مصر.

الصفحة السابقة الصفحة التالية