شعار المكتبة الرقمية للدعوة السلفية
دخول ♡ قبسات

الفساد (103) أين دور الزراعة في الاقتصاد المصري؟ (5)‏

الشيخ علاء بكر • قضايا معاصرة

الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد؛

ففي الوقت الذي يتطلع فيه سكان الأرض إلى الزراعة؛ لسدِّ حاجاتهم من الغذاء والطعام، فقد أصاب الزراعة الكثير من التطورات السلبية التي جعلت طرق وأساليب الزراعة في بعض الأحيان مصدرًا لأضرارٍ ومفاسد تؤثِّر بالسلب على حياة الناس، وتضر الاقتصاد والبيئة، وتؤثِّر على حياة الفلاحين والمزارعين.

وهذه كلها أمور ارتبطت بالتقدم العلمي والطفرة الحضارية التي نعيشها في الزراعة، وسائر سبل الحياة الأخرى، وما صاحبها من ثلوث في البيئة وخلل في التوازن البيئي، وآثار ذلك السلبية المدمرة على الهواء والماء، والتربة والغذاء، وكلها أمور تحتاج إلى درجةٍ عاليةٍ مِن الوعي والفهم والإدراك، ودرجة عالية من التوجيه والإرشاد لأصحاب الشأن؛ كلٌّ في موقعه، مع حُسْن التصرف، وسرعة معالجة للمشاكل التي طرأت وتطرأ على حياتنا؛ وإلا فهناك مِن الأضرار والخسائر في الأبدان والأموال ما لا يحمد عقباه.

وهي أمور أصبحت لا غنى عن التعرُّف عليها ووضع الحلول لها، ومعالجتها أولًا بأول، فلم تعد الزراعة في العصر الحديث مجرد خبرات ورثها الفلاح أو المزارع من أجداده، بل أصبحت علمًا معقَّدًا يسعى بقوة لتحسين الزراعة، وزيادة الجودة والإنتاج، ويعمل بقوة أيضًا في إزالة ما يجد بالزراعة من مشكلاتٍ وأضرارٍ، وهو ما سنحاول هنا الإشارة إليه وتسليط الضوء عليه.

تلوث الأرض والتربة:

يشكِّل تلوث الأرض والتربة جانبًا مهمًّا من جوانب التلوث البيئي التي منيت بها البشرية في العصر الحديث، كنتيجة للتدخل غير المدروس من جانب الإنسان في البيئة من خلال محاولاته الدائبة لتحقيق الزيادة المؤقتة في إنتاجية الأراضي الزراعية أو السيطرة على ما تتعرض له من الآفات والحشرات ونحوها.

تنقسم التربة وَفْقًا لحجم الحبيبات المكونة لها إلى ثلاثة أنواع: "طينية ورملية وطميية"، والتربة الزراعية تكون عادة خليطًا من التربتين: الطينية والرملية، وهي تتكون من مزيج من الحبيبات الصغيرة والكبيرة، وتعد المواد المتحللة العضوية التي تعيش على سطح الأرض مكونًا رئيسيًّا من مكونات التربة الزراعية، وهي مواد غنية بالمعادن والعناصر اللازمة لنمو النباتات، كما أنها تساعد على تفكك التربة؛ مما يساعدها على أن تحتوي على قدرٍ مِن الهواء اللازم لنمو الجذور.

ويتلوث سطح الأرض بوجه عام؛ نتيجة لتراكم المواد والمُخَلَّفَات الصلبة التي تنجم عن المصانع والتعدين، والمزارع، والخدمات، والمنازل والمطاعم.

واختلاط التربة الزراعية بالملوثات يفقدها خصوبتها؛ حيث تتسبب في قتل البكتريا المسئولة عن تحلل المواد العضوية، وعن تثبيت عنصر النيتروجين.

ومن مظاهر تلوث التربة وفسادها: ارتفاع نسبة الأملاح بها عن المعدل المقبول؛ نتيجة سوء استخدام الأراضي الزراعية، والممارسات الخاطئة في العمليات الزراعية، وبخاصة في الري والصرف، بما يؤثِّر على نمو النبات وتكاثره، بل إن هناك من الملوثات ما يتسبب في تسمم النباتات، مثل: الزئبق، والكادميوم، كما تتلوث التربة الزراعية نتيجة لاستعمال الأسمدة الكيميائية والمبيدات الحشرية، التي تتسبب في قتل البكتريا الموجودة في التربة، وفي تلوث النباتات بالمركبات الكيميائية الداخلة في تكوين المبيدات.

تلوث التربة بالأسمدة الكيميائية:

تتسبب الأسمدة الكيميائية التي يصنعها الإنسان من مركبات كيميائية في تلويث التربة، حيث يلجأ معظم المزارعين إلى الإفراط في تسميد التربة بالأسمدة النيتروجينية وحدها؛ رغبة في زيادة الإنتاجية، ورغم زيادة الإنتاج في السنوات الأولى التي تستعمل فيها هذه الأسمدة؛ إلا أنه تكون هناك حالة مِن عدم الاتزان ببن العناصر الغذائية داخل النبات؛ مما يؤدي إلى تراكم كمياتٍ كبيرةٍ مِن النترات في الأوراق والجذور تتسبب في تغير طعم الخضروات والفاكهة، وتغير ألوانها ورائحتها عن ذي قبل.

وحينما تنتقل المركبات الكيميائية الضارة -خاصة النترات والنتريت- إلى جسم الإنسان عبر السلاسل الغذائية (تسبب نوعًا من فقر الدم عند الأطفال، وسرطان البلعوم والمثانة عند الكبار. وحسب تقرير منظمة الصحة العالمية؛ فالمفترض ألا يزيد ما يدخل جسم الإنسان من النترات عن 15 مليجرامًا لكل كيلو جرام من وزن الجسم يوميًّا، أما النتريت فمن المفروض ألا يزيد المعدل اليومي لكل كيلو جرام من وزن الجسم عن 4 مليجرامات. وقد ثبت من التجارب العلمية: أن النترات تتحول إلى نتريت في الخضروات بفعل الإنزيمات) (راجع: "البيئة: مشاكلها وقضاياها وحمايتها من التلوث" محمد عبد القادر الفقي ط. مكتبة الأسرة - الهيئة المصرية للكتاب - 1999 م - ط. مكتبة ابن سينا، ص 75) .

(وثمة مشاكل أخرى تنجم عن استعمال الأسمدة غير العضوية، فقد وجد المهتمون بالزراعة في بريطانيا أن زيادة محصول الفدان الواحد في السنوات الأخيرة لا تتحقق على الرغم من استعمال الأسمدة الكيميائية، وتبيَّن أن السبب في ذلك يعود إلى أن هذه الأسمدة تتسبب في تكوين طبقة غير مسامية في أثناء سقوط المطر، ومِن ثَمَّ لا يتم تصريف مياه الأمطار خلال الفراغات الموجودة بين حبيبات التربة، ويؤثِّر ذلك سلبًا في جذور النباتات، كما تبيَّن أيضا أن هذه الأسمدة تتسبب في عجز النباتات عن امتصاص بعض العناصر الغذائية الأخرى الموجودة في التربة) (المصدر السابق) .

تلوث التربة بالمبيدات الحشرية:

تسبب الآفات أضرارًا بالغة للمحاصيل الزراعية نتيجة لتأثيرها على إنتاجية ونوعية المحاصيل المختلفة. والآفة عبارة عن كائن حي يسبب أضرارًا للإنسان وممتلكاته، وتشمل مدى واسعًا من الكائنات الحية، منها: الحشرات والقراد، والفطريات والبكتيريا، والفيروسات، والقوارض والرخويات، والقشريات والطيور، ويكون تصنيفها على حسب مستوى ما تلحقه من أضرار، والآفات موجودة من قديم الزمان، وتعد الحشرات من أخطرها.

الصفحة التالية