الفساد (103) أين دور الزراعة في الاقتصاد المصري؟ (5)
الشيخ علاء بكر • قضايا معاصرة
وقد استخدم الإنسان أساليب مختلفة لمكافحة الآفات منذ زمنٍ بعيدٍ، ورغم نجاح نظم مكافحة الآفات باستخدام قواعد بيئية وبيولوجية؛ إلا أن نظم المكافحة اتجهت إلى استخدام المبيدات الكيميائية التي تميَّزت بالفاعلية، وبساطة التطبيق، ورخص الثمن وزيادة غلة المحصول المعامل بها بالمقارنة بالوسائل الأخرى غير الكيميائية؛ لذا سرعان ما حَلَّت محل الأساليب الزراعية والأخرى.
وقد ساعد نجاح أسلوب رش المبيدات بواسطة الطائرات في عام 1920 م على التوسع الهائل في استخدام المبيدات الكيميائية في المساحات الشاسعة المزروعة بمناطق مختلفة من العالم، وهناك أنواع شتى من المبيدات الحشرية تختلف في تركيبها الكيميائي، وفي آثارها السامة، كما تختلف في تلويثها للبيئة؛ إضافة إلى تباينها في الخصائص الفيزيائية المميزة لها. ويستهلك العالم أكثر من أربعة ملايين طن من المبيدات الحشرية كل سنة، ورغم ذلك فإن الحشرات ما زالت تقضي على كمية كبيرة من المحاصيل الزراعية قبل نضجها.
إن التلوث بمبيدات الآفات ظاهرة حديثة لم يعرفها الإنسان إلا في النصف الثاني من القرن العشرين (ويؤدي الإسراف في استخدام هذه المبيدات إلى تلوث التربة الزراعية، فغالبًا ما يتبقى جزءٌ كبيرٌ مِن هذه المبيدات في الأرض الزراعية، وقد تصل نسبته إلى نحو 15 % من كمية المبيد المستعمل.
ولا يزول أثر مثل هذه المبيدات المتبقية في التربة إلا بعد انقضاء مدة طويلة قد تصل إلى أكثر من عشر سنوات، وقد تحمل مياه الأمطار بعض هذه المبيدات من التربة إلى المجاري المائية وتسبب كثيرًا من الأضرار لما بها من كائنات حية)، (وإذا كانت مبيدات الآفات تؤدي دورًا مهمًّا في حياة النبات والأشجار حيث تؤدي إلى تقليل مخاطر الآفات الضارة، مثل: ذباب الفاكهة، ودودة القطن؛ فإن الإفراط في استخدام هذه المبيدات من ناحية، وعدم ترشيد استعمالها أو التوعية بأضرارها من ناحية أخرى يؤدي إلى حدوث آثار جانبية ضارة بالغة على صحة الإنسان والحيوان، وعلى التربة الزراعية نفسها؛ بالإضافة إلى تأثيرها على النباتات، فالنباتات التي تزرع في التربة الملوثة بمبيدات الآفات تمتص جزءًا من هذه المبيدات وتختزنها في سوقها و أوراقها وثمارها، ثم تنتقل هذه المبيدات بعد ذلك إلى الحيوانات التي تتغذى بهذه النباتات، وتظهر في ألبانها وفي لحومها، وتسبب كثيرًا من الضرر لمن يتناولون لحوم هذه الحيوانات وألبانها) (المصدر السابق، ص134- 135) .
وهناك بالطبع عدة عوامل تؤثر بدورها في نسبة درجة تلوث النباتات بالمبيدات، منها:
- نوع المبيد المستخدم: فمن أضرها المبيدات التي تحتوي على الزئبق أو الهيدروكربونات المكلورة، مثل مادة (د.د.ت).
- تركيز المبيد: فكلما كان التركيز عاليًا كانت الآثار الضارة الناتجة أكبر.
- المدة اللازمة لتحلل المبيد: فكلما طالت هذه المدة ازداد الأثر السيئ للمبيد في التربة.
- كيفية استخدام المبيد: سواء كان باستخدام بعض الآلات الميكانيكية أو بالرش عن طريق الطائرات أو التعفير باليد.
تأثير المبيدات على الإنسان:
تسبب المبيدات أضرارًا بالغة الخطورة على صحة الإنسان، يظهر ذلك جليًّا مع المزارعين والعمال المشتغلين بصناعة وتجهيز المبيدات، وعلى القائمين بعمليات الرش، وأيضًا مَن يتعرضون للتسمم بهذه المبيدات. ويتأثر الإنسان بهذه المبيدات بطريقة مباشرة؛ إما عن طريق الملامسة أو عن طريق استنشاق أبخرة هذه المبيدات، وقد يتأثر بها بطريقة غير مباشرة، فهو -أي: الإنسان- يتغذى بالحيوانات والنباتات، وكل ما يتلوث من منتجاتها، مثل: البيض واللبن والزبد، وما إلى ذلك.
(كذلك تبين أن القشدة الناتجة عن عجول تربت في الحقول المعالجة بهذه المبيدات تحتوي على تركيز مرتفع يصل إلى نحو 13 جزءًا في المليون من مبيد (الدايلدرين)، وهي نسبة عالية تنتقل إلى الإنسان عندما يتغذى بهذه الحيوانات ومنتجاتها. وتسبب مبيدات الآفات العديد من الأمراض الخطرة، مثل: السرطان)، (وتمثل مشكلة مخلفات المبيدات في المحاصيل الزراعية تحديًا هائلًا لاستخدام المبيدات الكيميائية. وتوجد هذه المخلفات عادة في الغذاء أو الماء بكميات صغيرة) (راجع المصدر السابق، ص 136 بتصرفٍ) .
التأثير في التوازن الطبيعي:
تعيش الكائنات في توازن طبيعي وَفْقًا لناموس كوني إلهي، فلا يزداد تعداد جنس على حساب جنس آخر، ولا يحدث انقراض لنوع معين من الأحياء إلا إذا حدث خلل في هذا التوازن الدقيق، فالحشرات -على سبيل المثال- تعيش مع سائر الحيوانات والنباتات في توازن طبيعي تتحكم فيه، وتسيطر عليه عدة عوامل بيئية، مثل: الحرارة والرطوبة، وتوافر الغذاء، وعوامل حيوية مثل افتراس بعض الحشرات للبعض الآخر، وتطفل بعضها على بعض؛ ولذلك نرى في البيئة الطبيعية -التي لم تتدخل فيها يد الإنسان- أن الحشرات والحيوانات تعيش في توازن طبيعي يحقق معيشة متوازنة لهما معًا، فإذا اختلت الظروف البيئية لأي سبب طارئ أو دائم، وإذا حلت بالمنطقة حشرات جديدة (مفترسة أو متطفلة)، فإن التوازن القائم لا بد أن يختل لصالح نوع أو عدة أنواع منها، فتزداد أو تقل الأعداد عن معدلها الطبيعي، ويكون ذلك في غير صالح الإنسان أو عكس ذلك وفقا لنوع الحشرات المتكاثرة.
وقد تسبب الاستخدام المكثف للمبيدات -بقصد خفض أعداد بعض أنواع الآفات التي زاد عددها- في إدخال عنصر جديد في البيئة الطبيعية للحشرات، ومن المعروف أن استجابة أنواع الحشرات لأي مادة كيميائية ليست متكافئة، وفي أغلب الأحوال يدخل الإنسان المبيد في البيئة دون علم مسبق ومفصل بعواقب هذا التدخل وانعكاساته على الحشرات المختلفة الضارة منها والنافع.
ومن المؤسف أن ينساق الإنسان وراء فلسفة خاطئة للهدف من إدخال المبيدات وهي التخلص من الآفة دون أية اعتبارات أخرى؛ لقد تسبب الإسراف في استخدام المبيدات الحشرية إلى فقدان التوازن الطبيعي القائم بين الآفات وأعدائها الطبيعيين، وقد أدَّى ذلك إلى زيادة كبيرة وغير متوقعة في بعض أنواع الآفات.