وقفات مع آيات (6) قوله -تعالى-: (الَّذِينَ يَلْمِزُونَ الْمُطَّوِّعِينَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ فِي الصَّدَقَاتِ) (موعظة الأسبوع)
الشيخ سعيد محمود • خطبة الأسبوع
الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد؛
فقد قال الله -تعالى-: ( الَّذِينَ يَلْمِزُونَ الْمُطَّوِّعِينَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ فِي الصَّدَقَاتِ وَالَّذِينَ لَا يَجِدُونَ إِلَّا جُهْدَهُمْ فَيَسْخَرُونَ مِنْهُمْ سَخِرَ اللَّهُ مِنْهُمْ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ ) (التوبة: 79) .
موضوع الآية:
- بيان عظيم يقين الصحابة الصادقين، والإشارة إلى شيء من صفات المنافقين.
قصة نزول الآية:
- روى البخاري عن أبي مسعود -رضي الله عنه- قال: "لَمَّا نَزَلَتْ آيَةُ الصَّدَقَةِ، كُنَّا نُحَامِلُ، فَجَاءَ رَجُلٌ فَتَصَدَّقَ بشيءٍ كَثِيرٍ، فَقالوا: مُرَائِي، وجَاءَ رَجُلٌ فَتَصَدَّقَ بصَاعٍ، فَقالوا: إنَّ اللَّهَ لَغَنِيٌّ عن صَاعِ هذا، فنزلت: ( الَّذِينَ يَلْمِزُونَ الْمُطَّوِّعِينَ ) الآية.
- وقال ابن كثير -رحمه الله- في التفسير: "وقال الحافظ أبو بكر البزار عن أبي هريرة -رضي الله عنه- قال: قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: تصدقوا فإني أريد أن أبعث بعثًا (1) ، قال: فجاء عبد الرحمن بن عوف فقال: يا رسول الله، عندي أربعة آلاف، ألفين أقرضهما ربي، وألفين لعيالي، فقال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: بارك الله لك فيما أعطيت، وبارك لك فيما أمسكت. وبات رجل من الأنصار فأصاب صاعين من تمر، فقال: يا رسول الله، أصبت صاعين من تمر، صاع أقرضه لربي، وصاع لعيالي (2) ، قال: فلمزه المنافقون وقالوا: ما أعطى الذي أعطى ابن عوف إلا رياءً! وقالوا: ألم يكن الله ورسوله غنيين عن صاع هذا؟ فأنزل الله: ( الَّذِينَ يَلْمِزُونَ الْمُطَّوِّعِينَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ فِي الصَّدَقَاتِ وَالَّذِينَ لَا يَجِدُونَ إِلَّا جُهْدَهُمْ فَيَسْخَرُونَ مِنْهُمْ )" (تفسير ابن كثير) .
وقفات مع الآية:
(1) مِن صفات المنافقين: السخرية من المؤمنين:
- المنافقون في كل زمان يتناولون أهل الإيمان بالسخرية والاستهزاء: قال ابن كثير -رحمه الله- في التفسير بعد ذكر الآية: ( فَيَسْخَرُونَ مِنْهُمْ ): "وهذه أيضًا من صفات المنافقين: لا يسلم أحدٌ مِن عيبهم ولمزهم في جميع الأحوال، حتى ولا المتصدقون يسلمون منهم؛ إن جاء أحد منهم بمال جزيل قالوا: هذا مراء، وإن جاء بشيء يسير قالوا: إن الله لغني عن صدقة هذا" (تفسير ابن كثير) .
- ومن أحوال المنافقين في عصرنا: (السخرية من السمت الإسلامي (اللحية والحجاب) - التطاول على العلماء والدعاة الى الله، بل والصحابة والأئمة والأعلام).
- المتمسك بتعاليم الإسلام عندهم سفيه، يجب أن يعاقب بالإقصاء والمنع: قال -تعالى-: ( وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ آمِنُوا كَمَا آمَنَ النَّاسُ قَالُوا أَنُؤْمِنُ كَمَا آمَنَ السُّفَهَاءُ أَلَا إِنَّهُمْ هُمُ السُّفَهَاءُ وَلَكِن لَّا يَعْلَمُونَ ) (البقرة:13) . (أثار بعضهم ضجة إعلامية يطالب بمعاقبة المدرسة التي جمعت الأولاد للصلاة، معتبرًا ذلك تطرفًا، وأما إذا دعتهم للرقص فهو عندهم تحضر ورقي!).
- لذا فعاقبة المنافقين يوم القيامة أشد من سائر الكفار: قال -تعالى-: ( إِنَّ اللَّهَ جَامِعُ الْمُنَافِقِينَ وَالْكَافِرِينَ فِي جَهَنَّمَ جَمِيعًا ) (النساء:140) ، وقال: ( إِنَّ الْمُنَافِقِينَ فِي الدَّرْكِ الْأَسْفَلِ مِنَ النَّارِ وَلَن تَجِدَ لَهُمْ نَصِيرًا ) (النساء:145) .
- لقد جعل الله عذابهم من جنس عملهم (المخادعة والتظاهر بالإسلام): قال -تعالى-: ( يَوْمَ تَرَى الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ يَسْعَى نُورُهُمْ بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَبِأَيْمَانِهِمْ بُشْرَاكُمُ الْيَوْمَ جَنَّاتٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا ذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ . يَوْمَ يَقُولُ الْمُنَافِقُونَ وَالْمُنَافِقَاتُ لِلَّذِينَ آمَنُوا انْظُرُونَا نَقْتَبِسْ مِنْ نُورِكُمْ قِيلَ ارْجِعُوا وَرَاءَكُمْ فَالْتَمِسُوا نُورًا فَضُرِبَ بَيْنَهُمْ بِسُورٍ لَهُ بَابٌ بَاطِنُهُ فِيهِ الرَّحْمَةُ وَظَاهِرُهُ مِنْ قِبَلِهِ الْعَذَابُ . يُنَادُونَهُمْ أَلَمْ نَكُنْ مَعَكُمْ قَالُوا بَلَى وَلَكِنَّكُمْ فَتَنْتُمْ أَنْفُسَكُمْ وَتَرَبَّصْتُمْ وَارْتَبْتُمْ وَغَرَّتْكُمُ الْأَمَانِيُّ حَتَّى جَاءَ أَمْرُ اللَّهِ وَغَرَّكُمْ بِاللَّهِ الْغَرُورُ . فَالْيَوْمَ لَا يُؤْخَذُ مِنْكُمْ فِدْيَةٌ وَلَا مِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا مَأْوَاكُمُ النَّارُ هِيَ مَوْلَاكُمْ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ ) (الحديد:12-15) .
(2) بذل الصحابة -رضي الله عنهم- مقبول -بإذن الله- في القليل والكثير:
- في الآية شهادة من الله لهم ضمنًا: قال الله -تعالى-: ( الَّذِينَ يَلْمِزُونَ الْمُطَّوِّعِينَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ فِي الصَّدَقَاتِ وَالَّذِينَ لَا يَجِدُونَ إِلَّا جُهْدَهُمْ ).
- ففي هذه الغزوة جعل الناس يأتون بصدقاتهم؛ قليلها وكثيرها: قال النبي -صلى الله عليه وسلم-: ( مَنْ جَهَّزَ جَيْشَ العُسْرَةِ فَلَهُ الجَنَّةُ ) (رواه البخاري تعليقًا) .
- جاء العباس بمالٍ كثيرٍ، وجاء عبد الرحمن بن عوف بمائتي أوقية فضة، وجاء عمر بن الخطاب بنصف ماله، وجاء أبو بكر بماله كله.
- وأما عثمان بن عفان: فقد جاء بثلاثمائة بعير، مائة بعد مائة بأحلاسها وأقتابها، ثم جعل يأتي بالزيادة كلما سمع النبي -صلى الله عليه وسلم- يناشِد الناس حتى بلغت صدقته 900 بعير ومائة فرس، ثم جاء قبْل الخروج إلى النبي -صلى الله عليه وسلم- وهو جالس فنثر في حجره ألف دينار، فجعل رسول الله -صلى الله عليه وسلم- يقلبها وهو يقول: ( مَا ضَرَّ عُثْمَانَ مَا عَمِلَ بَعْدَ اليَوْمِ ) مَرَّتَيْنِ . (رواه الترمذي، وحسنه الألباني) .
- ولقد سارع الصحابة -رضوان الله عليهم- بصدقاتهم ونفقاتهم لتجهيز جيش العسرة، ولما رأى فقراء المسلمين ما بذل إخوانهم، اشتاقوا -رغم فقرهم- إلى أن يبذلوا وينفقوا، ولم يتعللوا ويعتذروا بفقرهم: قال ابن حجر -رحمه الله-: "عن أبي مسعود قال: لما أُمِرْنا بالصدقة في تبوك كنا نتحامل، يحمل بعضنا لبعض، فجاء أبو عقيل بنصف صاع"